ضرير شاسع الدار وليس لي قائد يلازمني أفلي رخصة أن لا آتي المسجد ؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا " . وفي خبر حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن ابن أم
مكتوم نحوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أتسمع الإقامة ؟ " قال : نعم ، قال : " فأتها " .
واختلفوا في عدد من تصح به الجمعة من المأمومين ، فقال أبو حنيفة وزفر ومحمد
والليث : " ثلاثة سوى الإمام " . وروي عن أبي يوسف : " اثنان سوى الإمام " وبه قال
الثوري . وقال الحسن بن صالح : " إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب عليه
وصلى به أجزأهما " . وأما مالك فلم يحد فيه شيئا ، واعتبر الشافعي أربعين رجلا .
قال أبو بكر : روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة ، فقدم عير فنفر
الناس إليه وبقي معه اثنا عشر رجلا ، فأنزل الله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا
إليها ) ، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الجمعة منذ قدم المدينة ولم يذكر رجوع القوم ،
فوجب أن يكون قد صلى باثني عشر رجلا . ونقل أهل السير أن أول جمعة كانت بالمدينة
صلاها مصعب بن عمير بأمر النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر رجلا وذلك قبل الهجرة ، فبطل بذلك
اعتبار الأربعين . وأيضا الثلاثة جمع صحيح فهي كالأربعين لاتفاقهما في كونهما جمعا
صحيحا ، وما دون الثلاثة مختلف في كونه جمعا صحيحا ، فوجب الاقتصار على الثلاثة
وإسقاط اعتبار ما زاد .
وقوله تعالى : ( وذروا البيع ) ، قال أبو بكر : اختلف السلف في وقت النهي عن
البيع ، فروي عن مسروق والضحاك ومسلم بن يسار : " أن البيع يحرم بزوال الشمس " .
وقال مجاهد والزهري : " يحرم بالنداء " . وقد قيل إن اعتبار الوقت في ذلك أولى ، إذ كان
عليهم الحضور عند دخول الوقت ، فلا يسقط ذلك عنهم تأخير النداء . ولما لم يكن
للنداء قبل الزوال معنى دل ذلك على أن النداء الذي بعد الزوال إنما هو بعد ما قد وجب
إتيان الصلاة .
واختلفوا في جواز البيع عند نداء الصلاة ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر
ومحمد والشافعي : " البيع يقع مع النهي " ، وقال مالك : " البيع باطل " . قال أبو بكر : قال
الله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )
[ النساء : 29 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " وظاهره
يقتضي وقوع الملك للمشتري في سائر الأوقات لوقوعه عن تراض . فإن قيل : قال الله
تعالى : ( وذروا البيع ) . قيل له : نستعملهما فنقول يقع محظورا عليه عقد البيع في ذلك
الوقت لقوله : ( وذروا البيع ) . ويقع الملك بحكم الآية الأخرى والخبر الذي رويناه ،
وأيضا لما لم يتعلق النهي بمعنى في نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو الاشتغال
أحكام القرآن — صفحة 599
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٩