ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعدما أسلم ولم يعلم حدوث عقد
ثان ، وفي حديث عمرو بن شعيب الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه ، فهو أولى
لأن الأول إخبار عن ظاهر الحال والثاني إخبار عن معنى حادث قد علمه ، وهذا مثل ما
تقوله في رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، وحديث يزيد بن الأصم
أنه تزوجها وهو حلال ، فقلنا : حديث ابن عباس أولى لأنه أخبر عن حال حادثة وأخبر
الآخر عن ظاهر الأمر الأول ، وكحديث زوج بريرة أنه كان حرا حين أعتقت ورواية من
روى أنه كان عبدا ، فكان الأول أولى لإخباره عن حال حادثة علمها وأخبر الآخر عن
ظاهر الأمر الأول ولم يعلم حدوث حال أخرى .
فصل
وإنما قال أبو حنيفة في المهاجرة أنه لا عدة عليها من الزوج الحربي لقوله تعالى :
( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ) ، فأباح نكاحها من غير ذكر عدة ، وقال في نسق
التلاوة : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) ، والعصمة المنع ، فحظر الامتناع من نكاحها
لأجل زوجها الحربي . والكوافر يجوز أن يتناول الرجال ، وظاهره في هذا الموضع
الرجال ، لأنه في ذكر المهاجرات . وأيضا أباح النبي صلى الله عليه وسلم وطء المسبية بعد الاستبراء
بحيضة ، الاستبراء ليس بعدة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عدة الأمة حيضتان " والمعنى فيها
وقوع الفرقة باختلاف الدارين .
وقوله تعالى : ( واسألوا وسلم ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ) ، قال معمر عن الزهري :
" يعني رد الصداق ، واسألوا أهل الحرب مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم ، وليسألوا
هم أيضا مهر من صارت إلينا مسلمة منهم " ، وقال الزهري : " فأما المؤمنون فأقروا بحكم
الله وأما المشركون فأبوا أن يقروا ، فأنزل الله : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار
فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) فأمر المسلمون أن يردوا الصداق إذا
ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج مسلم أن يرد إليه المسلمون صداق امرأته إن كان في
أيديهم مما يردون وأن يردوا إلى المشركين " . وروى خصيف عن مجاهد في قوله تعالى :
( واسألوا ما أنفقتم ) : " من الغنيمة أن يعوض منها " . وروى زكريا بن أبي زائدة عن
الشعبي قال : " كانت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ممن ذكر الله في القرآن : " واسألوا ما
أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ) خرجت إلى المؤمنين " . وروى الأعمش عن أبي الضحى عن
مسروق : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ) قال : " ليس بينكم وبينهم عهد "
( فعاقبتم ) " وأصبتم غنيمة " ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) قال : " عوضوا
أحكام القرآن — صفحة 588
مساهمون: الجصاص
ص٥٨٨