ومن سورة الصف
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن
تقولوا مالا تفعلون ) . قال أبو بكر : يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة
وأوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به ، إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما
لا يفعل ، وقد ذم الله فاعل ذلك . وهذا فيما لم يكن معصية ، فأما المعصية فإن إيجابها
في القول لا يلزمه الوفاء بها ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " ،
وإنما يلزم ذلك فيما عقده على نفسه مما يتقرب به إلى الله عز وجل ، مثل النذور وفي
حقوق الآدميين العقود التي يتعاقدونها ، وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل وهو
مباح ، فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان . فأما قول القائل : " إني سأفعل كذا " فإن ذلك
مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله تعالى وأن يكون في عقد ضميره الوفاء به ،
ولا جائز له أن يعد في ضميره أن لا يفي به ، لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه
ومقت فاعله عليه ، وإن كان في عقد ضميره الوفاء به ولم يقرنه بالاستثناء فإن ذلك
مكروه لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا ، فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع
خوف إخلاف الوعد فيه . وهو يدل على أن من قال : " إن فعلت كذا فأنا أحج أو أهدي أو
أصوم " فإن ذلك بمنزلة الإيجاب بالنذر ، لأن ترك فعله يؤديه إلى أن يكون قائلا ما لم
يفعل .
وروي عن ابن عباس ومجاهد : " أنها نزلت في قوم قالوا : لو علمنا أحب الأعمال
إلى الله تعالى لسارعنا إليه ، فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه " . وقال قتادة : " نزلت في
قوم كانوا يقولون : جاهدنا وأبلينا ، ولم يفعلوا " . وقال الحسن : " نزلت في المنافقين
وسماهم بالإيمان لإظهارهم له " .
وقوله تعالى : ( ليظهره على الدين كله ) من دلائل النبوة ، لأنه أخبر بذلك
والمسلمون في ضعف وقلة وحال خوف مستذلون مقهورون فكان مخبره على ما أخبر
أحكام القرآن — صفحة 591
مساهمون: الجصاص
ص٥٩١