من الأمر لعنتم ) قال : فأنتم أسخف رأيا وأطيش أحلاما ، فاتهم رجل رأيه وانتصح كتاب
الله . وروي عن الحسن قال : " والله لئن كانت نزلت في رجل - يعني قوله : ( إن جاءكم
فاسق بنبأ فتبينوا ) - إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء " .
قال أبو بكر : مقتضى الآية إيجاب التثبت في خبر الفاسق والنهي عن الإقدام على
قبوله والعمل به إلا بعد التبين والعلم بصحة مخبره ، وذلك لأن قراءة هذه الآية على
وجهين : " فتثبتوا " من التثبت ، و ( فتبينوا ) ، كلتاهما يقتضي النهي عن قبول خبره إلا بعد
العلم بصحته ، لأن قوله : " فتثبتوا " فيه أمر بالتثبت لئلا يصيب قوما بجهالة ، فاقتضى ذلك
النهي عن الإقدام إلا بعد العلم لئلا يصيب قوما بجهالة ، وأما قوله : ( فتبينوا ) فإن التبين
هو العلم ، فاقتضى أن لا يقدم بخبره إلا بعد العلم ، فاقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة
الفاسق مطلقا إذ كان كل شهادة خبرا ، وكذلك سائر أخباره ، فلذلك قلنا شهادة الفاسق
غير مقبولة في شيء من الحقوق ، وكذلك اخباره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما كان
من أمر الدين يتعلق به من إثبات شرع أو حكم أو إثبات حق على انسان .
واتفق أهل العلم على جواز قبول خبر الفاسق في أشياء ، فمنها : أمور المعاملات
يقبل فيها خبر الفاسق ، وذلك نحو الهدية إذا قال : " إن فلانا أهدى إليك هذا " يجوز له
قبوله وقبضه ، ونحو قوله : " وكلني فلان ببيع عبده هذا " فيجوز شراؤه منه ، ونحو الإذن
في الدخول إذا قال له قائل : " ادخل " لا تعتبر فيه العدالة ، وكذلك جميع أخبار
المعاملات . ويقبل في جميع ذلك خبر الصبي والعبد والذمي ، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر بريرة
فيما أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يتصدق عليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هي لها صدقة ولنا
هدية " ، فقبل قولها في أنه تصدق به عليها وأن ملك المتصدق قد زال إليها . ويقبل قول
الفاسق وشهادته من وجه آخر ، وهو من كان فسقه من جهة الدين باعتقاد مذهب وهم
أهل الأهواء فساق وشهادتهم مقبولة ، وعلى ذلك جرى أمر السلف في قبول أخبار أهل
الأهواء في رواية الأحاديث وشهادتهم ، ولم يكن فسقهم من جهة التدين مانعا من قبول
شهادتهم . وتقبل أيضا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، وقد بيناه فيما سلف من هذا
الكتاب . فهذه الوجوه الثلاثة يقبل فيها خبر الفاسق ، وهو مستثنى من جملة قوله تعالى :
( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) لدلائل قد قامت عليه ، فثبت أن مراد الآية في الشهادات
وإلزام الحقوق أو إثبات أحكام الدين والفسق التي ليست من جهة الدين والاعتقاد .
وفي هذه الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم ، إذ لو كان يوجب العلم
بحال لما احتيج فيه إلى التثبت ، ومن الناس من يحتج به في جواز قبول خبر الواحد
العدل ويجعل تخصيصه الفاسق بالتثبت في خبره دليلا على أن التثبت في خبر العدل غير
أحكام القرآن — صفحة 530
مساهمون: الجصاص
ص٥٣٠