فإن قالوا : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد : " قتلته وهو قد قال لا إله إلا الله ! " إنما
يردد ذلك مرارا ، فوجب أن لا يقاتل من قال لا إله إلا الله ولا يقتل . قيل له : لأنهم كانوا
يقاتلون وهم مشركون حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ، فكانوا إذا
أعطوا كلمة التوحيد أجابوا إلى ما دعوا إليه من خلع الأصنام واعتقاد التوحيد ، ونظير
ذلك أن يرجع البغاة إلى الحق فيزول عنهم القتال لأنهم إنما يقاتلون على إقامتهم على
قتال أهل العدل ، فمتى كفوا عن القتال ترك قتالهم ، كما يقاتل المشركون على إظهار
الاسلام فمتى أظهروه زال عنهم ، ألا ترى أن قطاع الطريق والمحاربين يقاتلون ويقتلون
مع قولهم لا إله إلا الله ؟ .
باب ما يبدأ به أهل البغي
قال الله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) قال أبو بكر :
أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح بينهم ، وهو أن يدعوا إلى الصلاح والحق وما
يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن البغي . وقوله تعالى : ( فإن بغت إحداهما على
الأخرى ) يعني والله أعلم : إن رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت
الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله . فأمر
تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال ، ثم إن أبت الرجوع قوتلت ، وكذا فعل علي بن أبي
طالب كرم الله وجهه بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم ، فلما أبوا القبول
قاتلهم .
وفي هذه الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم
يقاتلوا ، لأنه قال : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر
الله ) ، فإنما أمر بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال ، وكذلك فعل علي بن أبي طالب
رضي الله عنه مع الخوارج ، وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره بعث إليهم عبد الله بن
عباس فدعاهم ، فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم فحاجهم فرجعت منهم طائفة وأقامت طائفة
على أمرها ، فلما دخلوا الكوفة خطب فحكمت الخوارج من نواحي المسجد وقالت :
لا حكم إلا لله ، فقال علي رضي الله عنه : " كلمة حق يراد بها باطل ، أما إن لهم ثلاثا : أن
لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه ، وأن لا نمنعهم حقهم من الفىء ما دامت
أيديهم مع أيدينا ، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا " .
أحكام القرآن — صفحة 533
مساهمون: الجصاص
ص٥٣٣