ولا كفارة ، ولأنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة ، فصاروا في
الحكم بمنزلة من أبيح قتله فلا يجب به شيء . وليست المعرة المذكورة دية ولا كفارة ،
إذ لا دلالة عليه من لفظه ولا من غيره ، والأظهر منه ما يصيبه من الغم والحرج باتفاق
قتل المؤمن على يد على ما جرت به العادة ممن يتفق على يده ذلك . وقول من تأوله
على العيب محتمل أيضا ، لأن الانسان قد يعاب في العادة باتفاق قتل الخطأ على يده وإن
لم يكن ذلك على وجه العقوبة .
قوله تعالى : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ) . قيل إنه لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم
أن يكتب صلح الحديبية أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكتبه ، وأملى عليه : " بسم
الله الرحمن الرحيم ، هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو " ، فأبت
قريش أن يكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله " وقالوا : نكتب باسمك اللهم
ومحمد بن عبد الله ، ومنعوه دخول مكة ، فكانت أنفتهم من الإقرار بذلك من حمية
الجاهلية .
وقوله تعالى : ( وألزمهم كلمة التقوى ) ، روي عن ابن عباس قال : " لا إله إلا
الله " ، وعن قتادة مثله . وقال مجاهد : " كلمة الإخلاص " . وحدثنا عبد الله بن محمد قال :
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله : ( وألزمهم كلمة
التقوى ) قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " .
قوله تعالى : ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم
ومقصرين ) . قال أبو بكر : المقصد إخبارهم بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين
متقربين بالإحرام ، فلما ذكر معه الحلق والتقصير دل على أنهما قربة في الإحرام وأن
الإحلال بهما يقع ، لولا ذلك ما كان للذكر ههنا وجه . وروى جابر وأبو هريرة : " أن
النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة " ، وهذا أيضا يدل على أنهما قربة ونسك
عند الإحلال من الإحرام . آخر سورة الفتح .
أحكام القرآن — صفحة 527
مساهمون: الجصاص
ص٥٢٧