ومن سور الفتح
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله عز وجل : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ، روي أنه أراد فتح مكة ، وقال قتادة :
" قضينا لك قضاء مبينا " . والأظهر أنه فتح مكة بالغلبة والقهر ، لأن القضاء لا يتناوله
الإطلاق ، وإذا كان المراد فتح مكة فإنه يدل على أنه فتحها عنوة إذ كان الصلح لا يطلق
عليه اسم الفتح وإن كان قد يعبر مقيدا ، لأن من قال : " فتح بلد كذا " عقل به الغلبة والقهر
دون الصلح . ويدل عليه قوله في نسق التلاوة : ( وينصرك الله نصرا عزيزا ) وفيه الدلالة على أن المراد فتح مكة وأنه دخلها عنوة . ويدل عليه قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله
والفتح ) [ النصر : 1 ] لم يختلفوا أن المراد فتح مكة . ويدل عليه قوله تعالى : ( إنا فتحنا
لك ) وقوله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) ، وذكره ذلك في سياق
القصة يدل على ذلك ، لأن المعنى : سكون النفس إلى الإيمان بالبصائر التي بها قاتلوا عن
دين الله حتى فتحوا مكة .
وقوله تعالى : ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) ،
روي أن المراد فارس والروم ، وروي أنهم بنو حنيفة ، فهو دليل على صحة إمامة أبي بكر
وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى قتال بني حنيفة ودعاهم
عمر إلى قتال فارس والروم ، وقد ألزمهم الله اتباع طاعة من يدعوهم إليه بقوله :
( تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل
يعذبكم عذابا أليما ) فأوعدهم الله على التخلف عمن دعاهم إلى قتال هؤلاء ، فدل على
صحة إمامتهما ، إذ كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب .
فإن قيل : قد روى قتادة أنهم هوازن وثقيف يوم حنين . قيل له : لا يجوز أن يكون
الداعي لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه قال : ( فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا )
[ التوبة : 83 ] ، ويدل على أن المراد بالدعاء لهم غير النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء
القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .
أحكام القرآن — صفحة 523
مساهمون: الجصاص
ص٥٢٣