وقد اختلف السلف في ذلك ، حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن
محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن
أنه كره قتل الأسير وقال : " من عليه أو فاده " . وحدثنا جعفر قال : حدثنا جعفر قال :
حدثنا أبو عبيد قال : أخبرنا هشيم قال : أخبرنا أشعث قال : سألت عطاء عن قتل الأسير ،
فقال : " من عليه أو فاده " ، قال : وسألت الحسن ، قال : " يصنع به ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأسارى بدر ، يمن عليه أو يفادي به " . وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء
إصطخر ليقتله ، فأبى أن يقتله وتلا قوله : ( فإما منا بعد وإما فداء ) . وروي أيضا عن
مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة قتل الأسير . وقد روينا عن السدي أن قوله : ( فإما منا
بعد وإما فداء ) منسوخ بقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] ،
وروي مثله عن ابن جريج ، حدثنا جعفر قال : حدثنا جعفر قال : حدثنا أبو عبيد قال :
حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : " هي منسوخة " وقال : " قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي
معيط يوم بدر صبرا " .
قال أبو بكر : اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافا فيه ،
وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله الأسير ، منها قتله عقبة بن أبي معيط والنضر بن
الحارث بعد الأسر يوم بدر ، وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعد ما أسر ، وقتل بني قريظة
بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بالقتل وسبى الذرية ومن على الزبير بن
باطا من بينهم ، وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة ، وشرط على ابن أبي الحقيق أن
لا يكتم شيئا فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله ، وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل
ومقيس بن حبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وآخرين وقال : " اقتلوهم وإن وجدتموهم
متعلقين بأستار الكعبة " ومن على أهل مكة ولم يغنم أموالهم . وروي عن صالح بن
كيسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا بكر الصديق
يقول : " وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته وكنت قتلته صريحا أو أطلقته
نجيحا " . وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعد ما أعطاه الأمان على قوم سماهم
ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله . فهذه آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة
في جواز قتل الأسير وفي استبقائه . واتفق فقهاء الأمصار على ذلك ، وإنما اختلفوا في
فدائه ، فقال أصحابنا جميعا : " لا يفادى الأسير بالمال ولا يباع السبي من أهل الحرب
فيردوا حربا " . وقال أبو حنيفة : " لا يفادون بأسرى المسلمين أيضا ولا يردون حربا
أبدا " . وقال أبو يوسف ومحمد : " لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين " ،
وهو قول الثوري والأوزاعي . وقال الأوزاعي : " لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب
أحكام القرآن — صفحة 520
مساهمون: الجصاص
ص٥٢٠