ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون " . وقال المزني عن الشافعي : " للإمام أن
يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم " .
فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله : ( فإما منا بعد وإما فداء ) ، وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسارى بدر
بالمال ، ويحتجون للفداء بالمسلمين بما روى ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن أبي
قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال : أسرت ثقيف رجلين من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم واسر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عامر بن صعصعة ، فمر به على النبي صلى الله عليه وسلم
وهو موثق ، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : علام أحبس ؟ قال : " بجريرة حلفائك " فقال
الأسير : إني مسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح " .
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه أيضا ، فأقبل فقال : إني جائع فأطعمني ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" هذه حاجتك " ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما . وروى ابن
علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين : " أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى
رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل " ولم يذكر إسلام الأسير وذكره
في الحديث الأول . ولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا الوجه ، لأن المسلم لا يرد إلى
أهل الحرب ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط في صلح الحديبية لقريش أن من جاء منهم مسلما
رده عليهم ، ثم نسخ ذلك ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال : " أنا
بريء من كل مسلم مع مشرك " وقال : " من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه
الذمة " . وأما ما في الآية من ذكر المن أو الفداء وما روي في أسارى بدر ، فإن ذلك
منسوخ بقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم
كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) [ التوبة : 29 ] ، وقد روينا
ذلك عن السدي وابن جريج ، وقوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ) إلى قوله تعالى : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ] .
فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية ، والفداء بالمال أو
بغيره ينافي ذلك ، ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد سورة
محمد صلى الله عليه وسلم ، فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخا للفداء المذكور في غيرها .
قوله تعالى : ( حتى تضع الحرب أوزارها ) ، قال الحسن : " حتى يعبد الله
ولا يشرك به غيره " . وقال سعيد بن جبير : " خروج عيسى ابن مريم عليه السلام فيكسر
الصليب ويقتل الخنزير ويلقى الذئب الشاة فلا يعرض لها ولا تكون عداوة بين اثنين " .
وقال الفراء : " ايمانها وشركها حتى لا يكون إلا مسلم أو مسالم " . قال أبو بكر : فكان
أحكام القرآن — صفحة 521
مساهمون: الجصاص
ص٥٢١