مصير الصبي من الضعف إلى القوة ومن الجهل إلى العلم ، ونظيره قوله تعالى : ( ثم
جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ) [ الروم : 54 ] .
قوله تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) . حدثنا عبد الله بن محمد بن
إسحاق قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر في قوله :
( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) قال : بلغني أن عائشة سئلت : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتمثل بشيء من الشعر ؟ فقالت : لا ، إلا ببيت أخي بني قيس بن طرفة :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يأتيك من لم تزود بالأخبار " . فقال أبو بكر : ليس
هكذا يا رسول الله ، قال : " إني لست بشاعر ولا ينبغي لي " . قال أبو بكر : لم يعط الله
نبيه صلى الله عليه وسلم العلم بإنشاء الشعر ، لم يكن قد علمه الشعر لأنه الذي يعطي فطنة ذلك من يشاء
من عباده ، وإنما لم يعط ذلك لئلا تدخل به الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن أنه
قوي على ذلك بما في طبعه من الفطنة للشعر ، وإذا كان التأويل أنه لم يعطه الفطنة لقول
الشعر لم يمتنع على ذلك أن ينشد شعرا لغيره ، إلا أنه لم يثبت من وجه صحيح أنه تمثل
بشعر لغيره ، وإن كان قد روي أنه قال :
هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت
وقد روي أن القائل لذلك بعض الصحابة . وأيضا فإن من أنشد شعرا لغيره أو قال
بيتا أو بيتين لم يسم شاعرا ولا يطلق عليه أنه قد علم الشعر أو قد تعلمه ، ألا ترى أن من
لا يحسن الرمي قد يصيب في بعض الأوقات برميته ولا يستحق بذلك أن يسمى راميا
ولا أنه تعلم الرمي ؟ فكذلك من أنشد شعرا لغيره وأنشأ بيتا ونحوه لم يسم شاعرا .
قوله تعالى : ( قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) .
فيه من أوضح الدليل على أن من قدر على الابتداء كان أقدر على الإعادة إذ كان في
ظاهر الأمر أن إعادة الشيء أيسر من ابتدائه ، فمن قدر على الانشاء ابتداء فهو على
الإعادة أقدر فيما يجوز عليه البقاء . وفيه الدلالة على وجوب القياس والاعتبار ، لأنه
ألزمهم قياس النشأة الثانية على الأولى .
وربما احتج بعضهم بقوله تعالى : ( قال من يحيي العظام وهي رميم ) على أن
العظم فيه حياة فيجعله حكم الموت بموت الأصل ويكون ميتة . وليس كذلك ، لأنه إنما
سماه حيا مجازا ، إذ كان عضوا يحيا كما قال تعالى : ( يحيى الأرض بعد موتها )
[ الروم : 50 ] ، ومعلوم أنه لا حياة فيها . آخر سورة يس .
أحكام القرآن — صفحة 494
مساهمون: الجصاص
ص٤٩٤