وقوله تعالى : ( تحية من عند الله مباركة طيبة ) ، يعني أن السلام تحية من الله ، لأن
الله أمر به ، وهي مباركة طيبة لأنه دعاء بالسلامة فيبقى أثره ومنفعته . وفيه الدلالة على أن
قوله : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء : 86 ] قد أريد به
السلام .
وقوله تعالى : ( وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) ، قال
الحسن وسعيد بن جبير : " في الجهاد " . وقال عطاء : " في كل أمر جامع " . وقال
مكحول : " في الجمعة والقتال " . وقال الزهري : " الجمعة " ، وقال قتادة : " كل أمر هو
طاعة لله " . قال أبو بكر : هو في جميع ذلك لعموم اللفظ . وقال سعيد عن قتادة : ( إذا
كانوا معه على أمر جامع ) الآية ، قال : " كان الله أنزل قبل ذلك في سورة براءة : ( عفا الله
عنك لم أذنت لهم ) [ التوبة : 43 ] فرخص له في هذه السورة : ( فأذن لمن شئت منهم )
فنسخت هذه الآية التي في سورة براءة " . وقد قيل : إنه لا معنى للاستئذان للمحدث في
الجمعة لأنه لا وجه لمقامه ولا يجوز للإمام منعه ، فلا معنى للاستئذان فيه ، وإنما هو
فيما يحتاج الإمام فيه إلى معونتهم في القتال أو الرأي .
وقوله تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) ، روي عن
ابن عباس قال : " يعني احذروا إذا أسخطتموه دعاءه عليكم فإن دعاءه مجاب ليس كدعاء
غيره " . وقال مجاهد وقتادة : " ادعوه بالخضوع والتعظيم نحو يا رسول الله يا نبي الله
ولا تقولوا يا محمد كما يقول بعضكم لبعض " . قال أبو بكر : هو على الأمرين جميعا
لاحتمال اللفظ لهما .
وقوله تعالى : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) ، يعني به المنافقين الذين
كانوا ينصرفون عن أمر جامع من غير استئذان يلوذ بعضهم ببعض ويستتر به لئلا يراه
النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا .
قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب
أليم ) ، معناه : فليحذر الذين يخالفون أمره . ودخل عليه حرف الجر لجواز ذلك في
اللغة ، كقوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) [ النساء : 155 ] معناه : فبنقضهم ميثاقهم .
و " الهاء " في " أمره " يحتمل أن يكون ضميرا للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون ضميرا لله
تعالى ، والأظهر أنها لله لأنه يليه ، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها .
وفيه دلالة على أن أوامر الله على الوجوب ، لأنه ألزم اللوم والعقاب لمخالفة الأمر ،
وذلك يكون على وجهين ، أحدهما : أن لا يقبله فيخالفه بالرد له ، والثاني : أن لا يفعل
المأمور به وإن كان مقرا بوجوبه عليه ومعتقدا للزومه ، فهو على الأمرين جميعا ومن
أحكام القرآن — صفحة 435
مساهمون: الجصاص
ص٤٣٥