في بيوتهم وسلموا إليهم المفاتيح وقالوا : قد أحللنا لكم أن تأكلوا منها ، فكانوا
يتحرجون من ذلك ويقولون : لا ندخلها وهم غيب ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم " . فهذا
تأويل ثالث . وروي فيه تأويل رابع ، وهو ما روى سفيان عن قيس بن مسلم عن مقسم
قال : " كانوا يمتنعون أن يأكلوا مع الأعمى والمريض والأعرج لأنه لا ينال ما ينال
الصحيح ، فنزلت هذه الآية " . وقد أنكر بعض أهل العلم هذا التأويل ، لأنه لم يقل : ليس
عليكم حرج في مؤاكلة الأعمى ، وإنما أزال الحرج عن الأعمى ومن ذكر معه في الأكل ،
فهذا في الأعمى إذا أكل من مال غيره على أحد الوجوه المذكورة عن السلف ، وإن كان
تأويل مقسم محتملا على بعد في الكلام ، وتأويل ابن عباس ظاهره لأن قوله تعالى :
( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) [ البقرة : 188 ] ،
ولم يكن هذا تجارة وامتنعوا من الأكل ، فأنزل الله إباحة ذلك . وأما تأويل مجاهد فهو
سائغ من وجهين ، أحدهما : أنه قد كانت العادة عندهم بذل الطعام لأقربائهم ومن معهم ،
فكان جريان العادة به كالنطق به ، فأباح الله للأعمى ومن ذكر معه إذا استتبعوا أن يأكلوا
من بيوت من اتبعوهم وبيوت آبائهم . والثاني : أن ذلك فيمن كان به ضرورة إلى الطعام ،
وقد كانت الضيافة واجبة في ذلك الزمان لأمثالهم ، فكان ذلك القدر مستحقا من مالهم
لهؤلاء ، فلذلك أبيح لهم أن يأكلوا منه مقدار الحاجة بغير إذن . وقال قتادة : " إن أكلت
من بيت صديقك بغير إذنه فلا بأس ، لقوله : ( أو صديقكم ) " . وروي أن أعرابيا دخل
على الحسن ، فرأى سفرة معلقة فأخذها وجعل يأكل منها ، فبكى الحسن ، فقيل له : ما
يبكيك ؟ فقال : ذكرت بما صنع هذا إخوانا لي مضوا ، يعني أنهم كانوا ينبسطون في مثل
ذلك ولا يستأذنون . وهذا أيضا على ما كانت العادة قد جرت به منهم في مثله .
وقوله تعالى : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) ، يعني والله أعلم : من
البيوت التي هم سكانها وهم عيال غيرهم فيها ، مثل أهل الرجل وولده وخادمه ومن
يشتمل عليه منزله فيأكل من بيته ، ونسبها إليهم لأنهم سكانها وإن كانوا في عيال غيرهم
وهو صاحب المنزل ، لأنه لا يجوز أن يكون المراد الإباحة للرجل أن يأكل من مال
نفسه ، إذ كان ظاهر الخطاب وابتداؤه في إباحة الأكل للإنسان من مال غيره ، وقال الله :
( أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم ) فأباح الأكل من
بيوت هؤلاء الأقرباء ذوي المحارم بجريان العادة ببذل الطعام لأمثالهم وفقد التمانع في
أمثاله ، ولم يذكر الأكل في بيوت الأولاد لأن قوله تعالى : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا
من بيوتكم ) قد أفاده ، لأن مال الرجل منسوب إلى أبيه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت ومالك
لأبيك " وقال : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب
أحكام القرآن — صفحة 432
مساهمون: الجصاص
ص٤٣٢