الحديث ، فإن صح هذا اللفظ فإنما أخذه الراوي من حديث سهل وظن أن هذه العبارة
مبينة عما في حديث سهل ، ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفد نفي النكاح بعد زوال
حكم اللعان على النحو الذي بينا ، وأما قوله : " لا سبيل لك عليها " فإنه لا يفيد تحريم
النكاح وإنما هو إخبار بوقوع الفرقة ، لأنه لا يصح إطلاق القول بأنه لا سبيل لأحد على
الأجنبيات ولا يفيد ذلك تحريم العقد .
فإن قيل : قوله : " لا سبيل لك عليها " ينفي جواز العقد ، إذ كان جوازه يوجب أن
يكون له عليها سبيل . قيل له : ليس كذلك ، لأنا قد نقول لا سبيل لك على الأجنبية
ولا نريد به أنه لا يجوز له تزويجها فيصير لك عليها سبيل بالتزويج ، وإنما نريد أنه
لا يملك بضعها في الحال ، فإذا تزوجها فإنما صار له عليها سبيل برضاها وعقدها ، ألا
ترى أن قوله : ( ما على المحسنين من سبيل ) [ التوبة : 91 ] لم يمنع أن يصير عليهم
سبيل في العقود المقتضية لإثبات الحقوق والسبيل عليه برضاه ؟ فكذلك قوله : " لا سبيل
لك عليها " إنما أفاد أنه لا سبيل لك عليها إلا برضاها .
فصل
قال أبو بكر : واتفق أهل العلم أن الولد قد ينفى من الزوج باللعان ، وقد ذكرنا
حديث ابن عمر وابن عباس في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب باللعان نصا عن
النبي صلى الله عليه وسلم ، وحكي عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان ، واحتج
بقوله صلى الله عليه وسلم : " الولد للفراش " ، والذي قال : " الولد للفراش " هو الذي حكم بقطع النسب
من الزوج باللعان ، وليست الأخبار المروية في ذلك بدون ما روي في أن الولد للفراش ،
فثبت أن معنى قوله : " الولد للفراش " أنه لم ينتف باللعان . وأيضا فلما بطل ما كان أهل
الجاهلية عليه من استلحاق النسب بالزنا ، كما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود
قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عنبسة بن خالد قال : حدثني يونس بن يزيد قال :
قال محمد بن مسلم بن شهاب : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج
النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس
اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها ، ونكاح آخر : كان الرجل
يقول لامرأته : " إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه " ويعتزلها زوجها
ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه ، فإذا تبين حملها
أصابها وجها إن أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح يسمى
نكاح الاستبضاع ، ونكاح آخر : يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم
أحكام القرآن — صفحة 394
مساهمون: الجصاص
ص٣٩٤