وجلد الحد أنه معلوم ان اللعان حد على ما بينا فيما سلف بمنزلة الجلد في قاذف
الأجنبيات ، وممتنع أن يجتمع عليه حدان في قذف واحد ، فإيقاع الجلد لذلك القذف
مخرج للعان من أن يكون حدا ومزيل لحكمه في إيجاب التحريم لزوال السبب الموجب
له .
فإن قيل : فهذا الذي ذكرت يبطل حكم اللعان لامتناع اجتماع الحدين عليه بقذف
واحد ، فواجب إذا جلد الزوج حدا في قذفه لغيرها أن لا يبطل حكم اللعان فيما بينهما
فلا يتزوج بها . قيل له : إذا صار محدودا في قذف فقد خرج من أن يكون من أهل
اللعان ، ألا ترى أنه لو قذف امرأة له أخرى لم يلاعن وكان عليه الحد عندنا ؟ فالعلة التي
ذكرنا في إكذابه نفسه فيما لاعن عليه امرأته وإن كانت غير موجودة في هذه فجائز قياسها
عليها بمعنى آخر وهو خروجه من أن يكون من أهل اللعان .
فإن احتجوا بما روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد في قصة
المتلاعنين ، قال الزهري : " فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان
أبدا " ، وبما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن
السرح قال : حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن
سهل بن سعد في هذه القصة قال : " فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه
رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكان ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم ، قال سهل : " حضرت هذا عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا " ،
وبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا سبيل لك عليها " ، فإنها لو كانت تحل له بحال
لبين كما بين الله تعالى حكم المطلقة ثلاثا في إباحتها بعد زوج غيره . قيل له : أما حديث
الزهري الأول فإنه قول الزهري ، وقوله : " مضت السنة " ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سنها
ولا أنه حكم بها ، وأما قول سهل بن سعد : " فمضت السنة من بعد في المتلاعنين أنهما
لا يجتمعان أبدا " ليس فيه أيضا أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مضت بذلك ، والسنة قد تكون من
النبي صلى الله عليه وسلم وقد تكون من غيره ، فلا حجة في هذا . وأيضا فإنه قال في المتلاعنين ، وهذا
يصفه حكم يتعلق به وهو بقاؤهما على حكم التلاعن وكونهما من أهل اللعان ، فمتى
زالت الصفة بخروجهما من أن يكونا من أهل اللعان زال الحكم ، كقوله تعالى : ( ما على
المحسنين من سبيل ) [ التوبة : 91 ] ، وقوله : ( لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة : 124 ]
ونحو ذلك من الأحكام المعلقة بالصفات ، ومتى زالت الصفة زال الحكم .
فإن قيل : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا " . قيل له : ما
نعلم أحدا روى ذلك بهذا اللفظ ، وإنما روي ما ذكرنا في حديث سهل بن سعد وهو أصل
أحكام القرآن — صفحة 393
مساهمون: الجصاص
ص٣٩٣