وقوله تعالى : ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) يعني والله أعلم : عقاب ما
اكتسب من الإثم على قدر ما اكتسبه .
وقوله تعالى : ( والذي تولى كبره ) ، روي أنه عبد الله بن أبي بن سلول وكان
منافقا ، وكبره هو عظمه وإن عظم ما كان فيه ، لأنهم كانوا يجتمعون عنده وبرأيه وأمره
كانوا يشيعون ذلك ويظهرونه ، وكان هو يقصد بذلك أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى أبي بكر
والطعن عليهما .
قوله تعالى : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا
إفك مبين ) ، هو أمر المؤمنين بأن يظنوا خيرا بمن كان ظاهره العدالة وبراءة الساحة وأن
لا يقضوا عليهم بالظن ، وذلك لأن الذين قذفوا عائشة لم يخبروا عن معاينة وإنما قذفوها
تظننا وحسبانا لما رأوها متخلفة عن الجيش قد ركبت جمل صفوان بن المعطل يقوده .
وهذا يدل على أن الواجب لمن كان ظاهره العدالة أن يظن به خيرا ولا يظن به شرا ، وهو
يوجب أن يكون أمور المسلمين في عقودهم وأفعالهم وسائر تصرفهم محمولة على
الصحة والجواز وأنه غير جائز حملها على الفساد وعلى ما لا يجوز فعله بالظن
والحسبان ، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد مع امرأة أجنبية رجلا فاعترفا بالتزويج : إنه
لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما ، وزعم مالك بن أنس أنه يحدهما إن لم يقيما بينة
على النكاح . ومن ذلك أيضا ما قال أصحابنا فيمن باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين :
إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز فوجب
حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما ، وكذلك إذا باعه سيفا محلى فيه مائة درهم
بمائتي درهم أنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف ، فنحمل أمرهما على أنهما تعاقدا
عقدا جائزا ولا نحمله على الفساد وما لا . يجوز وهذا يدل أيضا على صحة قول أبي
حنيفة في أن المسلمين عدول ما لم تظهر منهم ريبة ، لأنا إذا كنا مأمورين بحسن الظن
بالمسلمين وتكذيب من قذفهم على جهة الظن والتخمين بما يسقط العدالة ، فقد أمرنا
بموالاتهم والحكم لهم بالعدالة بظاهر حالهم ، وذلك يوجب التزكية وقبول الشهادة ما لم
تظهر منهم ريبة توجب التوقف عنها أو ردها ، وقال تعالى : ( إن الظن لا يغني من الحق
شيئا ) [ يونس : 36 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإنه أكذب الحديث " .
وقوله : ( ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) فإنه يحتمل معنيين ، أحدهما :
أن يظن بعضهم ببعض خيرا ، كقوله : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) [ النور :
61 ] والمعنى : فليسلم بعضكم على بعض ، وكقوله : ( لا تقتلوا أنفسكم ) [ النساء : 29 ]
يعني : لا يقتل بعضكم بعضا . والثاني : أنه جعل المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما
أحكام القرآن — صفحة 397
مساهمون: الجصاص
ص٣٩٧