لم تقع به فرقة فليس بتفريق من النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ، وإنما هو إخبار بالحكم ، والمخبر
بالحكم لا يكون مفرقا بينهما .
فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا " ، وذلك إخبار
منه بوقوع الفرقة ، لأن النكاح لو كان باقيا إلى أن يفرق لكانا مجتمعين . قيل له : هذا
لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما روي عن عمر وعلي قال : " يفرق بينهما ولا يجتمعان " فإنما
مراده أنهما إذا فرق بينهما لا يجتمعان ما داما على حال التلاعن ، فينبغي أن تثبت الفرقة
حتى يحكم بأنهما لا يجتمعان ، ولو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه ما وصفنا . وأيضا يضم
إليه ما قدمنا من الأخبار الدالة على بقاء النكاح بعد اللعان وأن الفرقة إنما تقع بتفريق
الحاكم ، فإذا جمعنا بينهما وبين الخبر تضمن أن يكون معناه : المتلاعنان لا يجتمعان بعد
التفريق . ويدل على ما ذكرنا أن اللعان شهادة لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم ، فأشبه
الشهادة التي لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم ، فواجب على هذا أن لا تقع موجبة للفرقة
إلا بحكم الحاكم .
فإن قيل : الأيمان على الدعاوي لا يثبت بها حكم إلا عند الحاكم ، ومتى استحلف
الحاكم رجلا برئ من الخصومة ولا يحتاج إلى استيناف حكم آخر في براءته منها ، وهذا
يوجب انتقاض اعتلالك بما ذكرت . قيل له : هذا لا يلزم على ما ذكرنا ، وذلك لأنا قلنا
إن اللعان شهادة تتعلق صحتها بالحاكم كالشهادات على الحقوق ، وليست الأيمان على
الحقوق شهادات بذلك على هذا أن اللعان لا يصح إلا بلفظ الشهادة كالشهادات على
الحقوق ، وليس كذلك الاستحلاف على الدعاوى . وأيضا فإن اللعان تستحق به المرأة
نفسها كما يستحق المدعي ببينته ، فلما لم يجز أن يستحق المدعي ما ادعاه إلا بحكم
الحاكم وجب حكمه في استحقاق المرأة نفسها باللعان ، وأما الاستحلاف على الحقوق
فإنه لا يستحق به شيء وإنما تقطع الخصومة في الحال ويبقى المدعى عليه على ما كان
عليه من براءة الذمة ، فكانت فرقة اللعان بالشهادات على الحقوق أشبه منها بالاستحلاف
عليها . وأيضا لما كان اللعان سببا للفرقة متعلقا بحكم الحاكم أشبه تأجيل العنين في كونه
سببا للفرقة في تعلقه بحكم الحاكم ، فلما لم تقع الفرقة بعد التأجيل بمضي المدة دون
تفريق الحاكم وجب مثله في فرقة اللعان لما وصفنا . وأيضا لما لم يكن اللعان كناية عن
الفرقة ولا تصريحا بها وجب أن لا تقع به الفرقة ، كسائر الألفاظ التي ليست كناية عن
الفرقة ولا تصريحا بها .
فإن قيل : الإيلاء ليس بكناية عن الطلاق ولا صريح ، وقد أوقعت به الفرقة عند
مضي المدة . قيل له : إن الإيلاء يصلح أن يكون كناية عن الطلاق ، إلا أنه أضعف من
أحكام القرآن — صفحة 389
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٩