قال سهل : حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق
بينهما ثم لا يجتمعان أبدا . فأخبر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق العجلاني بعد
اللعان . ويدل عليه أيضا قول ابن شهاب : " فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق
بينهما " ولو كانت الفرقة واقعة باللعان لاستحال التفريق بعدها . ويدل عليه أيضا ما حدثنا
محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد ووهب بن بيان وغيرهما قالوا :
حدثنا سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد قال : مسدد قال : " شهدت المتلاعنين على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حين تلاعنا ،
فقال الرجل : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ! " فأخبر في هذا الحديث أيضا أن
النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما بعد اللعان . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا
أحمد بن حنبل قال : حدثنا إسماعيل قال : حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال : قلت
لابن عمر : رجل قذف امرأته ؟ قال : فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان فقال :
" والله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ " يرددها ثلاث مرات ، فأبيا ففرق بينهما .
فنص في هذا الحديث أيضا على أنه فرق بينهما بعد اللعان . وحدثنا محمد بن بكر قال :
حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر : " أن رجلا لا عن
امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد
بالمرأة " . وهذا أيضا فيه نص على التفريق كان بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأيضا لو كانت
الفرقة واقعة بلعان الزوج لبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع بها من التحريم وتعلق بها من
الأحكام ، فلما لم يخبر عليه السلام بوقوع الفرقة بلعان الزوج ثبت أنها لم تقع . وأيضا
قول الشافعي خلاف الآية ، لأن الله تعالى قال : ( والذين يرمون أزواجهم ) ثم قال :
( فشهادة أحدهم ) ثم قال : ( ويدرأ عنها العذاب ) وهو يعني الزوجة ، فلو وقعت الفرقة
بلعان الزوج للاعنت فقال وهي أجنبية ، وذلك خلاف ظاهر الآية لأن الله تعالى إنما أوجب
اللعان بين الزوجين . وأيضا لا خلاف أن الزوج إذا قذف امرأته بغير ولد بعد البينونة أو
قذفها ثم أبانها أنه لا يلاعن ، فلما لم يجز أن يلاعن وهو أجنبي كذلك لا يجوز أن يلاعن
وهي أجنبية ، لأن اللعان في هذه الحال إنما هو لقطع الفراش ولا فراش بعد البينونة ،
فامتنع لعانها وهي غير زوجة .
فإن قيل : في الأخبار التي فيها ذكر تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين إنما معناه أن
الفرقة وقعت باللعان ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل له بقوله : " لا سبيل لك عليها " . قيل
له : هذا صرف الكلام عن حقيقته ومعناه ، لأن قوله : " لا تحل لك لا سبيل لك عليها " إن
أحكام القرآن — صفحة 388
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٨