تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ ! فدلت هذه الأخبار على أن
حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله تعالى نسخه باللعان ، ومن أجل ذلك قال أصحابنا :
إن الزوج إذا كان عبدا أو محدودا في قذف فلم يجب اللعان بينهما أن عليه الحد ، كما أنه
إذا أكذب نفسه فسقط اللعان من قبله كان عليه الحد ، وقالوا : لو كانت المرأة هي
المحدودة في القذف أو كانت أمة أو ذمية أنه لا حد على الزوج ، لأنه قد سقط اللعان من
قبلها فكان بمنزلة تصديقها الزوج بالقذف لما سقط اللعان من جهتها لم يجب على الزوج
الحد .
واختلف الفقهاء فيمن يجب بينهما اللعان من الزوجين ، فقال أصحابنا جميعا أبو
حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد : " يسقط اللعان بأحد معنيين أيهما وجد لم يجب معه
اللعان ، وهو أن يكون الزوجة ممن لا يجب على قاذفها الحد إذا كان أجنبيا نحو أن
تكون الزوجة مملوكة أو ذمية أو قد وطئت وطأ حراما في غير ملك ، والثاني أن يكون
أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدودا في قذف أو كافرا أو عبدا ، فأما إذا كان
أحدهما أعمى أو فاسقا فإنه يجب اللعان " . وقال ابن شبرمة : " يلاعن المسلم زوجته
اليهودية إذا قذفها " . وقال ابن وهب عن مالك : " الأمة المسلمة والحرة والنصرانية
واليهودية تلاعن الحر المسلم ، وكذلك العبد يلاعن زوجته اليهودية " . وقال ابن القاسم
عن مالك : " ليس بين المسلم والكافر لعان إذا قذفها إلا أن يقول رأيتها تزني فتلاعن سواء
ظهر الحمل أو لم يظهر ، لأنه يقول أخاف أن أموت فيلحق نسب ولدها بي ، وإنما يلاعن
المسلم الكافر في دفع الحمل ولا يلاعنها فيما سوى ذلك ، وكذلك لا يلاعن زوجته الأمة
إلا في نفي الحمل " قال : " والمحدود في القذف يلاعن ، وإن كان الزوجان جميعا كافرين
فلا لعان بينهما ، والمملوكان المسلمان بينهما لعان إذا أراد أن ينفي الولد " . وقال الثوري
والحسن بن صالح : " لا يجب اللعان إذا كان أحد الزوجين مملوكا أو كافرا ويجب إذا
كان محدودا في قذف " . وقال الأوزاعي : " لا لعان بين أهل الكتاب ولا بين المحدود في
القذف وامرأته " . وقال الليث في العبد إذا قذف امرأته الحرة وادعى أنه رأى عليها رجلا :
" يلاعنها ، لأنه يحد لها إذا كان أجنبيا ، فإن كانت أمة أو نصرانية لاعنها في نفي الولد إذا
ظهر بها حمل ولا يلاعنها في الرؤية لأنه لا يحد لها ، والمحدود في القذف يلاعن
امرأته " . وقال الشافعي : " كل زوج جاز طلاقه ولزمه الفرض يلاعن إذا كانت ممن يلزمها
الفرض " .
قال أبو بكر : فأما الوجه الأول من الوجهين الذين يسقطان اللعان فإنما وجب
ذلك به من قبل أن اللعان في الأزواج أقيم مقام الحد في الأجنبيات ، وقد كان الواجب
أحكام القرآن — صفحة 371
مساهمون: الجصاص
ص٣٧١