قوله عليه السلام : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " هو على هذا المعنى . وأما
قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا زنت أما أحدكم فليجلدها " فإنه ليس كل جلد حدا ، لأن الجلد قد
يكون على وجه التعزير ، فإذا عزرناها فقد قضينا عهدة الخبر ولا يجوز أن نجلدها عنه بعد
ذلك ، ويدل على أنه أراد التعزير قوله : " لا يثرب عليها " يعني : ولا يعيرها ز ومن شأن
إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس ليكون أبلغ في الزجر والتنكيل ، فلما قال : " ولا يثرب
عليها " دل ذلك أنه أراد التعزير لا الحد ز ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الرابعة : " فليبعها
ولو بضفير " ولم يأمر بجلدها ، ولو كان ذلك حدا لذكره وأمر به كما أمر به في الأول
والثاني والثالث ، لأنه لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها عند من يقيمها ، وقد يجوز ترك
التعزير على حسب ما يرى الإمام فيه من المصلحة ز
فإن قيل : لو أراد التعزير لوجب أن يكون لو عزرها المولى ثم رفع إلى الإمام بعد
التعزير أن يقيم عليها الحد ، لأن التعزير لا يسقط الحد ، فيكون قد اجتمع عليها الحد
والتعزير . قيل له : لا ينبغي لمولاها أن يرفعها إلى الإمام بعد ذلك ، بل هو مأمور بالستر
عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهزال حين أشار على ما عز بالإقرار بالزنا : " لو سترته بثوبك كان
خيرا لك " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا
صفحته أقمنا عليه كتاب الله " . وأيضا فليس يمتنع اجتماع الحد والتعزير ، وقد يجب النفي
عندنا من الجلد على وجه التعزير . وروي أن النجاشي الشاعر شرب الخمر في رمضان
فضربه علي كرم الله وجهه ثمانين وقال : " هذا لشربك الخمر " ثم جلده عشرين وقال :
" هذا لإفطارك في رمضان " فجمع عليه الحد والتعزير ، فلما كان ذلك جائزا لم يمتنع لو
رفعت هذه الأمة بعد تعزير المولى إلى الإمام أن يحدها حد الزنا .
باب اللعان
قال الله عز وجل : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة
أحدهم ) إلى آخر القصة . قال أبو بكر : كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات الجلد ،
والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء : " ائتني بأربعة
يشهدون وإلا فحد في ظهرك " ، وقال الأنصار : أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في
المسلمين ! فثبت بذلك أن حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن
الأزواج الجلد باللعان ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية حين نزلت آية اللعان : " ائتني
بصاحبتك فقد أنزل الله فيك وفيها قرآنا " ولاعن بينهما . وروي نحو ذلك في حديث
عبد الله بن مسعود في الرجل الذي قال : أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن
أحكام القرآن — صفحة 370
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٠