اليهود " . وروح الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة ، وفيه خلاف
بين أهل العلم ، وكل حيوان فهو روح ، إلا أن منهم من الأغلب عليه الروح ومنهم من
الأغلب عليه البدن . وقيل : إنه لم يجبهم لأن المصلحة في أن يوكلوا إلى ما في عقولهم
من الدلالة عليها للارتياض باستخراج الفائدة . وروي في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح
فليس بنبي ، فلم يجبهم الله عز وجل مصداقا لما في كتابهم .
والروح قد يسمى به أشياء ، منها القرآن ، قال الله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك
روحا من أمرنا ) [ الشورى : 52 ] سماه روحا تشبيها بروح الحيوان الذي به يحيا .
والروح الأمين جبريل ، وعيسى ابن مريم سمي روحا على نحو ما سمي به من القرآن .
وقوله : ( قل الروح من أمر ربي ) أي من الأمر الذي يعلمه ربي .
وقوله تعالى : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) يعني : ما أعطيتم من العلم
المنصوص عليه إلا قليلا من كثير بحسب حاجتكم إليه ، فالروح من المتروك الذي
لا يصلح النص عليه للمصلحة .
وقد دلت هذه الآية على جواز ترك جواب السائل عن بعض ما يسأل عنه لما فيه من
المصلحة في استعمال الفكر والتدبر والاستخراج ، وهذا في السائل الذي يكون من أهل
النظر واستخراج المعاني ، فأما إن كان مستفتيا قد بلي بحادثة احتاج إلى معرفة حكمها
وليس من أهل النظر فعلى العالم بحكمها أن يجيبه عنها بما هو حكم الله عنده .
قوله تعالى : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن )
الآية . فيه الدلالة على إعجاز القرآن ، فمن الناس من يقول : " إعجازه في النظم على
حياله وفي المعاني وترتيبها على حياله " ، ويستدل على ذلك بتحديه في هذه الآية العرب
والعجم والجن والإنس ، ومعلوم أن العجم لا يتحدون فيه من طريق النظم فوجب أن
يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ . ومنهم
من يأبى أن يكون إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ والبلاغة في العبارة ، فإنه يقول : إن
إعجاز القرآن من وجوه كثيرة ، منها حسن النظم وجودة البلاغة في اللفظ والاختصار
وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة مع تعريه من أن يكون فيه لفظ مسخوط أو
معنى مدخول ولا تناقض ولا اختلاف تضاد ، وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج
واحد ، وكلام العباد لا يخلو إذا طال من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة والمعاني الفاسدة
والتناقض في المعاني . وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام موجودة في كلام
الناس من أهل سائر اللغات لا يختص باللغة العربية دون غيرها ، فجائز أن يكون التحدي
أحكام القرآن — صفحة 270
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٠