واقعا للعجم بمثل هذه المعاني في الإتيان بها عارية مما يعيبها ويهجنها من الوجوه التي
ذكرناها ، ومن جهة أن الفصاحة لا تختص بها لغة العرب دون سائر اللغات وإن كانت لغة
العرب أفصحها ، وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة فجائز أن يكون التحدي
للعجم واقعا بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم التي يتكلمون بها .
قوله تعالى : ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) . وقوله : ( فرقناه ) يعني
فرقناه بالبيان عن الحق من الباطل . وقوله : ( لتقرأه على الناس على مكث ) يعني على
تثبت وتوقف ليفهموه بالتأمل ويعلموا ما فيه بالتفكر ويتفقهوا باستخراج ما تضمن من
الحكم والعلوم الشريفة . وقد قيل : إنه كان ينزل منه شيء فيمكثون ما شاء الله ثم ينزل
شيء آخر ، وهو في معنى قوله : ( ورتل القرآن ترتيلا ) [ المزمل : 4 ] . وروى سفيان عن
عبيد المكتب قال : سئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران ورجل قرأ
البقرة جلوسهما وسجودهما وركوعهما سواء أيهما أفضل ؟ قال : الذي قرأ البقرة ، ثم
قرأ : ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) . وروى معاوية بن قرة عن عبيد الله بن
المغفل قال : " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح - أو من
سورة الفتح - قراءة بينة " . وروى حماد بن سلمة عن أبي حمزة الضبعي قال : قال ابن
عباس : " لأن أقرأ القرآن فأرتلها وأتدبرها أنه أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذا " . وروى
الأعمش عن عمارة عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : " لا تقرؤوا القرآن في أقل من
ثلاث واقرأه في سبع " . وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد أنه كان
يقرأه في سبع والأسود في ست وعلقمة في خمس . وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأ
القرآن في ليلة . وروى ابن أبي ليلى عن صدقة عن ابن عمر قال : بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم
سقف في المسجد واعتكف فيه في آخر رمضان وكان يصلي فيه ، فأخرج رأسه فرأى
الناس يصلون فقال : " إن المصلي إذا صلى يناجي ربه فليعلم أحدكم بما يناجيه " ، وفي
ذلك دليل على أن المستحب الترتيل ، لأنه به يعلم ما يناجي ربه به ويفهم عن نفسه ما
يقرأه .
باب السجود على الوجه
قال الله تعالى : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان
سجدا " . روي عن ابن عباس قال : " للوجوه " . وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى :
( يخرون للأذقان سجدا ) قال : " للوجوه " . وقال معمر : وقال الحسن : " اللحى " . وسئل
ابن سيرين عن السجود على الأنف فقال : ( يخرون للأذقان سجدا ) . وروى طاوس عن
أحكام القرآن — صفحة 271
مساهمون: الجصاص
ص٢٧١