وقد اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه وأيمانه ، فقال أصحابنا :
" ذلك كله لازم " . وقال مالك والشافعي : " لا يلزمه شيء من ذلك " . والذي يدل على
لزوم حكم هذه الأشياء ظاهر قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح
زوجا غيره ) [ البقرة : 230 ] ولم يفرق بين طلاق المكره والطائع ، وقال تعالى : ( وأوفوا
بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا لأيمان بعد توكيدها ) [ النحل : 91 ] ولم يفرق بين عهد
المكره وغيره ، وقال : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) [ المائدة : 89 ] ، وقال
النبي صلى الله عليه وسلم : " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه " ، ويدل عليه أيضا ما روى يونس بن بكير
عن الوليد بن جميع الزهري عن أبي الطفيل عن حذيفة قال : أقبلت أنا وأبي ونحن نريد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توجه إلى بدر ، فأخذنا كفار قريش ، فقالوا : إنكم لتريدون محمدا ؟
فقلنا : لا نريده إنما نريد المدينة ، قال : فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة
ولا تقاتلون معه ، فأعطيناهم عهد الله ، فمررنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد بدرا فأخبرناه بما
كان منا وقلنا : ما تأمر يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تفي لهم بعهدهم وتستعين الله
عليهم " ، فانصرفنا إلى المدينة فذلك منعنا من الحضور معهم . فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم إحلاف
المشركين إياهم على وجه الإكراه وجعلها كيمين الطوع ، فإذا ثبت ذلك في اليمين
فالطلاق والعتاق والنكاح مثلها لأن أحدا لم يفرق بينهما . ويدل عليه حديث
عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة " ، فلما سوى
النبي صلى الله عليه وسلم فيهن بين الجاد والهازل ، ولأن الفرق بين الجد والهزل أن الجاد قاصد إلى
اللفظ وإلى إيقاع حكمه والهازل قاصد إلى اللفظ غير مريد لإيقاع حكمه ، علمنا أنه
لاحظ للإرادة في نفي الطلاق وأنهما جميعا من حيث كانا قاصدين للقول أن يثبت حكمه
عليهما ، وكذلك المكره قاصد للقول غير مريد لإيقاع حكمه فهو كالهازل سواء .
فإن قيل : لما كان المكره على الكفر لا تبين منه امرأته واختلف حكم الطوع
والإكراه فيه وكان الكفر يوجب الفرقة كالطلاق ، وجب أن يختلف حكم طلاق المكره
والطائع . قيل له : ليس لفظ الكفر من ألفاظ الفرقة لا كناية ولا تصريحا ، وإنما تقع به
الفرقة إذا حصل كافرا ، والمكره على الكفر لا يكون كافرا ، فلما لم يصر كافرا بإظهاره
كلمة الكفر على وجه الإكراه لم تقع الفرقة ، وأما الطلاق فهو من ألفاظ الفرقة والبينونة
وقد وجد إيقاعه في لفظ مكلف فوجب أن لا يختلف حكمه في حال الإكراه والطوع .
فإن قال قائل : تساوى حال الجد والهزل في الطلاق لا يوجب تساوي حال الإكراه
والطوع فيه ، لأن الكفر يستوي حكم جده وهزله ولم يستو حال الإكراه والطوع فيه . قيل
أحكام القرآن — صفحة 250
مساهمون: الجصاص
ص٢٥٠