أشبهه ثم نقضت ذلك بعد أن فتلته فتلا شديدا ، وهو معنى قوله : ( من بعد قوة ) لأن
العرب تسمي شدة الفتل قوة ، فمن عقد على نفسه عقدا أو أوجب قربة أو دخل فيها أن
لا يتمها فيكون بمنزلة التي نقضت غزلها بعد قوة ، وهذا يوجب أن كل من دخل في صلاة
تطوع أو صوم نفل أو غير ذلك من القرب أن لا يجوز له الخروج منه قبل إتمامه ، فيكون
بمنزلة من نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا .
باب الاستعاذة
قال الله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) . روى
عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : " اللهم أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه " .
وروى أبو سعيد الخدري : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة " . وروي عن
عمر وابن عمر : " الإستعاذة قبل القراءة في الصلاة " . وروى ابن جريج عن عطاء قال :
" الإستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة وغيرها " . وقال محمد بن سيرين : " إذا تعوذت
مرة أو قرأت مرة بسم الله الرحمن الرحيم أجزأ عنك " ، وكذلك روي عن إبراهيم
النخعي . وكان الحسن يستعيذ في الصلاة حين يستفتح قبل أن يقرأ أم القرآن . وروي عن
ابن سيرين رواية أخرى قال : " كلما قرأت فاتحة الكتاب حين تقول آمين فاستعذ " . وقال
أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي : " يتعوذ قبل القراءة " . وقال مالك : " لا يتعوذ في
المكتوبة قبل القراءة ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ " .
قال أبو بكر : قوله : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) يقتضي ظاهره أن تكون
الاستعاذة بعد القراءة ، كقوله : ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا ) [ النساء :
103 ] ، ولكنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف الذين ذكرناهم الاستعاذة قبل القراءة ،
وقد جرت العادة بإطلاق مثله . والمراد إذا أردت ذلك كقوله تعالى : ( وإذا قلتم
فاعدلوا ) [ الأنعام : 152 ] ، وقوله : ( فإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب )
[ الأحزاب : 53 ] ، وليس المراد أن تسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم ، وكقوله
تعالى : ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) [ المجادلة : 12 ] ، وكذلك
قوله ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) معناه : إذا قرأت فقدم الإستعاذة قبل القراءة ،
وحقيقة معناه : إذا أردت القراءة فاستعذ ، وكقول القائل : إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت
فاغتسل يعني قبل الإحرام ، والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك ، كذلك قوله : ( فإذا
قرأت القرآن ) معناه : إذا أردت قراءته . وقول من قال : " الإستعاذة بعد الفراغ من القراءة "
أحكام القرآن — صفحة 248
مساهمون: الجصاص
ص٢٤٨