وجوده في حال الحمل وعدمه ، وقوله : " لما قيل النساء لزم في ذلك العموم " لا معنى
له ، لأنه قال : ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) [ البقرة : 222 ] ، وقوله : " في المحيض "
ليس فيه بيان أن الحيض ما هو ، ومتى ثبت المحيض وجب الاعتزال ، وإنما اختلفا في أن
الدم الخارج في وقت الحمل هل هو حيض أم لا ، وقول الخصم لا يكون حجة لنفسه ،
وقوله : " إن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به " دعوى مجردة من البرهان ،
ولخصمه أن يقول : إن الدم إذا خرج من فرجها فغير الحيض أولى به حتى يقوم الدليل
على أنه حيض لوجودنا دما خارجا من الرحم غير حيض ، فلم يحصل من جميع هذا
الكلام إلا دعاوى مبنية بعضها على بعض وجميعها مفتقر إلى دليل يعضدها .
وقد روى مطر الوراق عن عطاء عن عائشة أنها قالت في الحامل ترى الدم : " إنها
لا تدع الصلاة " . وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال : لا يختلف فيه عندنا عن
عائشة أنها كانت تقول في الحامل ترى الدم أنها تمسك عن الصلاة حتى تطهر ، وهذا
يحتمل أن تريد به الحامل التي في بطنها ولدان فولدت أحدهما أن النفاس من الأول وأنها
تدع الصلاة حتى تطهر ، على ما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف في ذلك ، حتى يصحح
الخبرين جميعا عنها . وعند أصحابنا أن الحامل لا تحيض ، وأن ما رأته من دم فهو
استحاضة ، وعند مالك والشافعي تحيض . فالحجة لقولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا
أوطاس : " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة " ، والاستبراء هو
معرفة براءة الرحم ، فلما جعل الشارع وجود الحيض علما لبراءة الرحم لم يجز وجوده
مع الحبل ، لأنه لو جاز وجوده معه لم يكن وجود الحيض علما لبراءة الرحم . ويدل عليه
أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في طلاق السنة : " فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان
حملها " ، فلو كانت الحامل تحيض لفصل بين جماعها وطلاقها بحيضة كغير الحامل ،
وفي إباحته صلى الله عليه وسلم إيقاع الطلاق على الحامل بعد الجماع من غير فصل بينه وبين الطلاق
بحيضة دلالة على أنها لا تحيض . آخر سورة الرعد .
أحكام القرآن — صفحة 235
مساهمون: الجصاص
ص٢٣٥