بنو قريظة إلى الأحزاب أبي سفيان وأصحابه ، فأقبل نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها
وما أرسلت بنوا قريظة إلى الأحزاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعلنا أمرنا بذلك " ، فقام نعيم
يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وكان نعيم رجلا لا يكتم
الحديث ، فلما ولى من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهبا إلى غطفان قال عمر : يا رسول الله ما
هذا الذي قلت ! إن كان أمرا من أمر الله فامضه وإن كان هذا رأيا رأيته من قبل نفسك فإن
شأن بني قريظة أهون من أن تقول شيئا يؤثر عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل هذا رأي إن
الحرب خدعة " . وروى أبو عثمان النهدي عن عمر قال : " إن في معاريض الكلام
لمندوحة عن الكذب " . وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس
قال : " ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم " . وقال إبراهيم صلوات الله عليه للملك
حين سأله عن سارة فقال : من هي منك ؟ قال : هي أختي ، لئلا يأخذها ، وإنما أراد أختي
في الدين ، وقال للكفار : إني سقيم ، حين تخلف ليكسر آلهتهم ، وكان معناه : إني
سأسقم يعني أموت ، كما قال الله تعالى : ( إنك ميت ) [ الزمر : 30 ] ، فعارض بكلامه
عما سألوه عنه إلى غيره على وجه لا يلحق فيه الكذب . فهذه وجوه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها
بالاحتيال في التوصل إلى المباح ، وقد كان لولا وجه الحيلة فيه محظورا ، وقد حرم الله
الوطء بالزنا وأمرنا بالتوصل إليه بعقد النكاح وحظر علينا أكل المال بالباطل وأباحه
بالشرى والهبة ونحوها ، فمن أنكر التوصل إلى استباحة ما كان محظورا من الجهة التي
أباحته الشريعة فإنما يرد أصول الدين وما قد ثبتت به الشريعة .
فإن قيل : حظر الله تعالى على اليهود صيد السمك يوم السبت فحبسوا السمك يوم
السبت وأخذوه يوم الأحد فعاقبهم الله عليه . قيل له : قد أخبر الله تعالى أنهم اعتدوا في
السبت : وهذا يوجب أن يكون حبسها في السبت قد كان محظورا عليهم ، ولو لم يكن
حبسهم لها في السبت محرما لما قال : ( اعتدوا منكم في السبت ) [ البقرة : 65 ] .
مطلب : يجوز للإنسان إظهار ضر مسه عند الحاجة إليه
قوله تعالى : ( يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ) إلى قوله : ( وتصدق علينا ) . لما
ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله : ( مسنا وأهلنا الضر ) دل ذلك على جواز
إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى .
وقوله : ( فأوف لنا الكيل ) يدل على أن أجرة الكيال على ا لبائع ، لأن عليه تعيين
المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل ، وقد قالوا له : ( فأوف لنا الكيل ) فدل على أن
الكيل قد كان عليه .
أحكام القرآن — صفحة 229
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٩