كقوله : ( وإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) [ الممتحنة : 10 ] ، ومعلوم
أنا لا نحيط بضمائرهن علما وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن .
وقد قيل في قوله : ( وما كنا للغيب حافظين ) معنيان ، أحدهما : ما روي عن
الحسن ومجاهد وقتادة : " ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق " ، والآخر : ما قدمنا ، وهو أنا
لا ندري باطن الأمر في السرقة . فإن قيل : لم جاز له استخراج الصاع من رحل أخيه على
حال يوجب تهمته عند الناس مع براءة ساحته وعم أبيه وإخوته به ؟ قيل له : لأنه كان في
ذلك ضروب من الصلاح ، وقد كان ذلك عن مواطأة من أخيه له على ذلك وتلطف في
إعلام أبيه بسلامتهما ، ولم يكن لأحد أن يتهمه بالسرقة مع إمكان أن يكون غيره جعله في
رحله ، ولأن الله تعالى أمره بذلك تعريضا ليعقوب عليه السلام للبلوى بفقده أيضا ليصبر
فيتضاعف ليعقوب عليه السلام الثواب الجزيل بصبره على فقدهما .
مطلب : يجوز الاحتيال في التوصل إلى المباح
وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله : ( فلما جهزهم
بجهازهم ) إلى قوله : ( كذلك كدنا ليوسف ) دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى
المباح واستخراج الحقوق ، وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره ، وقال
في آخر القصة : ( كذلك كدنا ليوسف ) ، ومن نحو ذلك قوله تعالى : ( وخذ بيدك ضغثا
فاضرب به ولا تحنث ) [ ص : 44 ] ، وكان حلف أن يضربها عددا ، فأمره الله تعالى بأخذ
الضغث وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها . ومن نحوه النهي عن
التصريح بالخطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض . ومن جهة السنة حديث
أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه استعمل رجلا على خيبر فأتاه بتمر ،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكل تمر خيبر هكذا ؟ " فقال : لا والله ، إنما نأخذ الصاع
بالصاعين والصاعين بالثلاثة ، قال : " فلا تفعل الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم
تمرا " ، كذا روى ذلك مالك بن أنس عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن
أبي سعيد وأبي هريرة ، فحظر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل في التمر وعلمه كيف يحتال
في التوصل إلى أخذ هذا التمر . ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهند : " خذي من مال أبي سفيان ما
يكفيك وولدك بالمعروف " . فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ولدها . وروي أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره . وروى يونس ومعمر عن الزهري قال : أرسلت
بنو قريظة إلى أبي سفيان بن حرب أن ائتونا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم ،
فسمع ذلك نعيم بن مسعود وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك
أحكام القرآن — صفحة 228
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٨