توبتهم على نبيه صلى الله عليه وسلم ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله تعالى قابل توبتهم .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) . روى ابن مسعود
قال : " يعني لازم الصدق ، ولا تعدل عنه إذ ليس في الكذب رخصة " . وقال نافع
والضحاك : " مع النبيين والصديقين بالعمل الصالح في الدنيا " . وقال تعالى في سورة
البقرة : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله
واليوم الآخر ) [ البقرة : 177 ] ، إلى قوله : ( أولئك الذين صدقوا ) [ البقرة : 177 ] ،
وهذه صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار ، ثم قال في هذه الآية : ( وكونوا مع
الصادقين ) فدل على لزوم اتباعهم والاقتداء بهم لإخباره بأن من فعل ما ذكر في الآية فهم
الذين صدقوا ، وقال في هذه الآية : ( وكونوا مع الصادقين ) فدل على قيام الحجة علينا
بإجماعهم وأنه غير جائز لنا مخالفتهم لأمر الله إيانا باتباعهم .
وقوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة
العسرة ) فيه مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار وإخبار
بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم ، لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد
رضي عنهم ورضي أفعالهم . وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى
غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر رضي الله
عنهم .
قوله تعالى : ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول
الله ) ، قد بينت هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في غزواته إلا
المعذورين ومن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود ، ولذلك ذم المنافقين الذين كانوا
يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود في الآيات المتقدمة .
وقوله : ( ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) أي يطلبون المنفعة بتوقية إلا أنفسهم دون
نفسه ، بل كان الفرض عليهم أن يقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم . وقد كان من المهاجرين
والأنصار من فعل ذلك وبذل نفسه للقتل ليقي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : ( ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ) ، فيه الدلالة
على أن وطء ديارهم بمنزلة النيل منهم ، وهو قتلهم أو أخذ أموالهم أو إخراجهم عن
ديارهم ، هذا كله نيل منهم ، وقد سوى بين وطء موضع يغيظ الكفار وبين النيل منهم ،
فدل ذلك على أن وطء ديارهم وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم هو بمنزلة نيل
الغنيمة والقتل والأسر ، وفي ذلك دليل على أن الاعتبار فيما يستحقه الفارس والراجل من
أحكام القرآن — صفحة 205
مساهمون: الجصاص
ص٢٠٥