عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) [ الحديد : 27 ] ، والابتداع قد يكون
بالقول وبالفعل ، فاقتضى ذلك إيجاب كل ما ابتدعه الانسان من قربة قولا أو فعلا لذم الله
تعالى تارك ما ابتدع من القربة . وقد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في النذر ، وهو قوله :
" من نذر نذرا وسماه فعليه الوفاء به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين " .
قوله تعالى : ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) . قال الحسن : " بخلهم بما نذروه أعقبهم
النفاق " . وقال مجاهد : " أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس " . ومعناه نصب
الدلالة على أنه لا يتوب أبدا ذما له على ما كسبته يده .
وقوله : ( إلى يوم يلقونه ) ، قيل فيه : " يلقون جزاء بخلهم " ، ومن ذهب إلى أن الله
أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله تعالى .
قوله تعالى : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله
لهم ) . فيه إخبار بأن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا يوجب لهم المغفرة ، ثم قال : ( إن تستغفر
لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) ذكر السبعين على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة .
وقد روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : " لأزيدن على السبعين "
وهذا خطأ من راويه ، لأن الله تعالى قد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم
ليسأل الله مغفرة الكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم ، وإنما الرواية الصحيحة فيه ما روي أنه
قال : " لو علمت أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت عليها " ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم ، فكانوا إذا مات الميت
منهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء والاستغفار له فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون ،
فأعلمه الله تعالى أنهم ماتوا منافقين وأخبر مع ذلك أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا ينفعهم .
قوله تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ، فيه الدلالة
على معان ، أحدها : فعل الصلاة على موتى المسلمين وحظرها على موتى الكفار . ويدل
أيضا على القيام على القبر إلى أن يدفن ، وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يفعله . وقد روى
وكيع عن قيس بن مسلم عن عمير بن سعد : " أن عليا قام على قبر حتى دفن " . وروى
سفيان الثوري عن أبي قيس قال : " شهدت علقمة قام على قبر حتى دفن " . وروى
جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير : " أن ابن الزبير كان إذا مات له ميت لم يزل
قائما حتى ندفنه " . فهذا يدل على أن السنة لمن حضر عند القبر أن يقوم عليه حتى يدفن .
ومن الناس من يستدل بذلك على جواز الصلاة على القبر ، وجعل قوله : ( ولا تقم على
قبره ) قيام الصلاة على القبر ، وهذا خطأ من التأويل لأنه تعالى قال : ( ولا تصل على
أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على
أحكام القرآن — صفحة 185
مساهمون: الجصاص
ص١٨٥