شيء فلا سبيل عليه فيه . ويحتج به في مسائل مما قد اختلف فيه ، نحو من استعار ثوبا
ليصلي فيه أو دابة ليحج عليها فتهلك ، فلا سبيل عليه في تضمينه لأنه محسن ، وقد نفى
الله تعالى السبيل عليه نفيا عاما ، ونظائر ذلك مما يختلف في وجوب الضمان عليه بعد
حصول صفة الإحسان له ، فيحتج به نافو الضمان . ويحتج مخالفنا في اسقاط ضمان
الجمل الصؤول إذا قتله من خشي أن يقتله بأنه محسن في قتله للجمل ، وقال الله تعالى :
( ما على المحسنين من سبيل ) ونظائره كثيرة .
قوله تعالى : ( فأعرضوا عنهم إنهم رجس ) ، هو كقوله : ( إنما المشركون
نجس ) ، لأن الرجس يعبر به عن النجس ، ويقال : رجس نجس على الاتباع ، وهذا يدل
على وجوب مجانبة الكفار وترك موالاتهم ومخالطتهم وإيناسهم وتقويتهم .
وقوله تعالى : ( يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن
القوم الفاسقين ) يدل على أن الحلف على الاعتذار ممن كان متهما لا يوجب الرضا عنه
وقبول عذره ، لأن الآية قد اقتضت النهي عن الرضا عن هؤلاء مع أيمانهم . وقال في هذه
الآية : ( يحلفون ) ولم يقل " بالله " ، وقال في الآية الأولى : ( سيحلفون بالله ) فذكر اسم
الله في الحلف في الأولى واقتصر في الآية الثانية على ذكر الحلف ، فدل على أنهما
سواء . وقال في موضع آخر : ( ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ) [ المجادلة : 14 ] ،
وكذلك قال الله تعالى في القسم ، فقال في موضع : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم )
[ الأنعام : 109 ] وقال في موضع آخر : ( إذ أقسموا ليصر منها مصبحين ) [ القلم : 17 ] ،
فاكتفى بذكر الحلف عن ذكر اسم الله تعالى ، وفي هذا دليل على أنه لا فرق بين قول
القائل " احلف " وبين قوله " احلف بالله " وكذلك قوله : " أقسم " و " أقسم بالله " .
قوله تعالى : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على
رسوله ) . أطلق هذا الخبر عن الأعراب ومراده الأعم الأكثر منهم ، وهم الذين كانوا
يواطنون المنافقين على الكفر والنفاق ، وأخبر أنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله
على رسوله ، وذلك لقلة سماعهم للقرآن ومجالستهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهم أجهل من المنافقين
الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قد كانوا يسمعون القرآن والأحكام ، فكان الأعراب
أجهل بحدود الشرائع من أولئك ، وكذلك هم الآن في الجهل بالأحكام والسنن وفي سائر
الأعصار وإن كانوا مسلمين ، لأن من بعد من الأمصار وناء عن حضرة العلماء كان أجهل
بالأحكام والسنن ممن جالسهم وسمع منهم ، ولذلك كره أصحابنا إمامة الأعرابي في
الصلاة . ويدل على أن إطلاق اسم الكفر والنفاق على الأعراب خاص في بعضهم دون
بعض قوله تعالى في نسق التلاوة : ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما
أحكام القرآن — صفحة 187
مساهمون: الجصاص
ص١٨٧