وإظهاره وهتك صاحبه بما يخذله الله به ويفضحه ، وذلك إخبار عن المنافقين وتحذير
لغيرهم من سائر مضمري وكان السوء وكاتميه ، روى وهو في معنى قوله : ( والله مخرج ما كنتم
تكتمون ) [ البقرة : 72 ] .
قوله تعالى : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) إلى قوله : ( إ ن
نعف ) فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه
الإكراه لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوه لعبا ، فأخبر الله عن كفرهم باللعب
بذلك . وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك : أيرجو هذا الرجل أن يفتح
قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات ! فأطلع الله نبيه على ذلك ، فأخبر أن هذا القول
كفر منهم على أي وجه قالوه من جد أو هزل ، فدل ذلك على استواء حكم الجاد والهازل
في إظهار كلمة الكفر ، ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشئ من شرائع دينه كفر
من فاعله .
قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعضهم ) أضاف بعضهم إلى بعض
باجتماعهم على النفاق ، فهم متشاكلون متشابهون في تعاضدهم على النفاق والأمر
بالمنكر والنهي عن المعروف كما يضاف بعض الشئ إليه لمشاكلته للجملة .
قوله تعالى : ( ويقبضون أيديهم ) ، فإنه روي عن الحسن ومجاهد : " عن الانفاق
في سبيل الله " . وقال قتادة " عن كل خير " . وقال غيره : " عن الجهاد في سبيل الله " .
وجائز أن يكونوا قبضوا أيديهم عن جميع ذلك ، فيكون المراد جميع ما احتمله اللفظ
منه .
وقوله : ( نسوا الله فنسيهم ) ، فإن معناه أنهم تركوا أمره والقيام بطاعته حتى صار
ذلك عندهم بمنزلة المنسي ، إذ لم يستعملوا منه شيئا كما لا يعمل بالمنسي . وقوله :
( فنسيهم ) معناه أنه تركهم من رحمته ، وسماه باسم الذنب لمقابلته لأنه عقوبة وجزاء
على الفعل ، وهو مجاز كقولهم : الجزاء بالجزاء ، وقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها )
[ الشورى : 40 ] ونحو ذلك .
قوله تعالى : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ) . روى
عبد الله بن مسعود قال : " جاهدهم بيدك فإن لم تستطع فبلسانك وقلبك فإن لم تستطع
فاكفهر في وجوههم " . وقال ابن عباس : " جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان " .
وقال الحسن وقتادة : " جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود ، وكانوا أكثر من
يصيب الحدود " .
أحكام القرآن — صفحة 183
مساهمون: الجصاص
ص١٨٣