بالشركة وأنه جائز أن يحرم البعض منهم ويعطى البعض ، فثبت أن المقصد صرفها في
بعض المذكورين ، فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها بعض
الفقراء ، لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء البعض . قال أبو
بكر : ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ولم يجد ما
يطعم ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقاتهم ، فأجاز
النبي صلى الله عليه وسلم دفع صدقاتهم إلى سلمة ، وإنما هو من صنف واحد . وفي حديث عبيد الله بن
عدي بن الخيار في الرجلين اللذين سألا النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة ، فرآهما جلدين فقال : " إن
شئتما أعطيتكما " ولم يسألهما من أي الأصناف هما ليحسبهما من الصنف . ويدل على
أنها مستحقة بالفقر قوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " ،
وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : " أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم
يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم " ، فأخبر أن المعنى الذي به يستحق جميع الأصناف
هو الفقر ، لأنه عم جميع الصدقة وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء ، وهذا اللفظ مع ما
تضمن من الدلالة يدل على أن المعنى المستحق به الصدقة هو الفقر ، وأن عمومه يقتضي
جواز دفع جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم ، بل ظاهر اللفظ يقتضي
إيجاب ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت " .
فإن قيل : العامل يستحقه لا بالفقر . قيل له : لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما
تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من عمله لا صدقة ، كفقير تصدق عليه
فأعطاها عوضا عن عمل عمل له ، وكما كان يتصدق على بريرة فتهديه للنبي صلى الله عليه وسلم هدية
للنبي وصدقة لبريرة .
فإن قيل : فإن المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر . قيل له : لم
يكونوا يأخذونها صدقة وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى المؤلفة
قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم ، فلم يكونوا يأخذونها
صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين ، إذ كان مال الفقراء جائزا
صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم ويتصرف في مصالحهم . فأما ذكر
الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ما بينا ، والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل
والغازي لا يستحقونها إلا بالحاجة والفقر دون غيرهما ، فدل على أن المعنى الذي به
يستحقونها هو الفقر .
فإن قيل : روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن
الحارث الصدائي يقول : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم ، فقلت أعطني من صدقاتهم !
أحكام القرآن — صفحة 180
مساهمون: الجصاص
ص١٨٠