ترى أنه لا ضرورة بالمصلي على الراحلة في فعل التطوع كما لا ضرورة بالمتصدق صدقة
التطوع على ما ذكرنا ؟ فلما استويا من هذا الوجه اشتبها في الحكم ، وأما الصلاة في
الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة ويستوي فيه حكم مصلي الفرض أو
متنفل ، فلذلك اختلفا .
باب دفع الصدقات إلى صنف واحد
قال الله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية . فروى أبو داود
الطيالسي قال : حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس
قالا : " إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه " ، وروي مثل
ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز
وأبي العالية ، ولا يروى عن الصحابة خلافه ، فصار إجماعا من السلف لا يسع أحدا
خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم . وروى
الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل : " أنه كان يأخذ من أهل اليمن
العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس " ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي
يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس . وقال الشافعي : " تقسم على ثمانية أصناف إلا أن
يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزي غيره " ، وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره
من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر الكتاب ، قال الله تعالى : ( إن تبدوا الصدقات
فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) [ البقرة : 271 ] وذلك عموم في
جميع الصدقات لأنه اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه ، فاقتضت الآية دفع جميع
الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء ، فدل على أن مراد الله تعالى في
ذكر الأصناف إنما هو بيان أسباب سنة الفقر لا قسمتها على ثمانية . ويدل عليه أيضا قوله
تعالى : ( في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) [ المعارج : 24 و 25 ] وذلك
يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما ، وذلك ينفي وجوب قسمتها على ثمانية .
وأيضا فإن قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء ) عموم في سائر الصدقات وما يحصل
منها في كل زمان ، وقوله تعالى : ( للفقراء ) إلى آخره عموم أيضا في سائر المذكورين
من الموجودين ومن يحدث منهم ، ومعلوم أنه لم يرد قسمة كل ما يحصل من الصدقة في
الموجودين ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك إلى أن تقوم الساعة ، فوجب أن
يجزي إعطاء صدقة عام واحد لصنف واحد وإعطاء صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك
صدقة كل عام لصنف من الأصناف على ما يرى الإمام قسمته ، فثبت بذلك أن صدقة عام
واحد أو رجل واحد غير مقسومة على ثمانية . وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها
أحكام القرآن — صفحة 179
مساهمون: الجصاص
ص١٧٩