أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين . وهذا لا خلاف
فيه بين الأمة ، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء
المسلمين وسبي ذراريهم ، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين
له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا
الجزية ؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام
والمسلمين أن لا يغزوهم وأن يقعدوا عنهم ، وقال آخرون : " على الإمام والمسلمين أن
يغزوهم أبدا حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية " ، وهو مذهب أصحابنا ومن ذكرنا من السلف
المقداد بن الأسود وأبو طلحة في آخرين من الصحابة والتابعين . وقال حذيفة بن اليمان :
" الاسلام ثمانية أسهم " وذكر سهما منها الجهاد . وحدثنا جعفر بن محمد : حدثنا
جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج قال :
قال معمر : كان مكحول يستقبل القبلة ثم يحلف عشر أيمان أن الغزو واجب ، ثم يقول :
إن شئتم زدتكم . وحدثنا جعفر قال : حدثنا جعفر : حدثنا أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن
صالح عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث أو غيره عن ابن شهاب قال : " كتب الله
الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا ، فمن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر
وإن استغني عنه قعد " ، وهذا مثل قول من يراه فرضا على الكفاية . وجائز أن يكون قول
ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض يعنون به أنه ليس فرضه متعينا
على كل أحد كالصلاة والصوم وأنه فرض على الكفاية .
والآيات الموجبة لفرض الجهاد كثيرة ، فمنها قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى
لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) [ البقرة : 193 ] فاقتضى ذلك وجوب قتالهم حتى يجيبوا
إلى الاسلام ، وقال : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ) الآية ، وقال : ( قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية ، وقال : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم
الأعلون والله معكم ) [ محمد : 35 ] ، وقال : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ،
و ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ، وقال : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا
بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) ، وقال : ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما
غيركم ) ، وقال : ( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) [ النساء : 71 ] ، وقال : ( يا أيها الذين
آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في
سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) [ الصف : 10 و 11 ] ، فأخبر أن النجاة من عذابه إنما هي
بالإيمان بالله ورسوله وبالجهاد في سبيله بالنفس والمال ، فتضمنت الآية الدلالة على
فرض الجهاد من وجهين ، أحدهما : أنه قرنه إلى فرض الإيمان ، والآخر : الإخبار بأن
أحكام القرآن — صفحة 147
مساهمون: الجصاص
ص١٤٧