محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير عن
منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح
مكة : " لا هجرة ولكن جهاد ونية وإن استنفرتم فانفروا " ، فأمر بالنفير عند الاستنفار ، وهو
موافق لظاهر قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله
اثاقلتم إلى الأرض ) ، وهو محمول على ما ذكرنا من الاستنفار للحاجة إليهم لأن أهل
الثغور متى اكتفوا بأنفسهم ولم تكن لهم حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون ،
ولكن لو استنفرهم الإمام مع كفاية من في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش المسلمين
لأنه يريد أن يغزو أهل الحرب ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من المسلمين أن ينفروا .
وهذا هو موضع الخلاف بين الفقهاء في فرض الجهاد ، فحكي عن ابن شبرمة
والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض ، وقالوا : ( كتب عليكم القتال )
[ البقرة : 216 ] ليس على الوجوب بل على الندب ، كقوله تعالى : ( كتب عليكم إذا
حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) [ البقرة : 180 ] . وقد
روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك ، وإن كان مختلفا في صحة الرواية عنه ، وهو ما حدثنا
جعفر بن محمد بن الحكم قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد
قال : حدثنا علي بن معبد عن أبي المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال : كنت عند ابن
عمر ، فجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الفرائض وابن عمر جالس
حيث يسمع كلامه ، فقال : " الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان والجهاد في سبيل الله " ، قال : فكأن ابن
عمر غضب من ذلك ، ثم قال : " الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان " قال : وترك الجهاد . وروي عن
عطاء وعمرو بن دينار نحوه ، حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد بن
اليمان قال : حدثنا أبو عبيد : حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب
الغزو على الناس ؟ فقال هو وعمرو بن دينار ما علمناه . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد ومالك وسائر فقهاء الأمصار : " إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة ، إلا أنه فرض
على الكفاية إذا قام به بعضهم كان الباقون في سعة من تركه " . وقد ذكر أبو عبيد أن
سفيان الثوري كان يقول : " ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزي
فيه بعضهم على بعض " ، فإن كان هذا قول سفيان فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية ، وهو
موافق لمذهب أصحابنا الذي ذكرناه . ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف
أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم
أحكام القرآن — صفحة 146
مساهمون: الجصاص
ص١٤٦