في ولاية مال اليتيم وحفظه : " إن عليهم أن يعملوا فيه ويقولوا بمثل ما يحب أن يعمل
ويقال في أموال أيتامهم وضعاف ذريتهم بعد موتهم " . وجائز أن تكون هذه المعاني التي
تأول السلف عليها الآية مرادة بها ، إلا أن ما نهى عنه من الأمر بالوصية أن النهي عنها إذا
قصد المشير بذلك إلى الإضرار بالورثة أو بالموصى لهم مما لا يرضاه هو لنفسه لو كان
مكان هؤلاء ، وذلك بأن يكون المريض قليل المال له ذرية ضعفاء فيأمره الذي يحضره
باستغراق الثلث للوصية ، ولو كان هو مكانه لم يرض بذلك وصية له لأجل ورثته ، وهذا
يدل على أن المستحب له إذا كان له ورثة ضعفاء وهو قليل المال أن لا يوصي بشئ
ويتركه لهم أو يوصي لهم بأقل من الثلث . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد حين قال أوصي
بجميع مالي ؟ فقال : " لا " إلى أن رده إلى الثلث فقال : " الثلث والثلث كثير ، إنك إن تدع
ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الورثة إذا كانوا
فقراء فترك الوصية ليستغنوا به أفضل من فعلها . وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه
كان يقول : " الأفضل لمن له مال كثير الوصية بما يريد أن يوصي به على وجه القربة من
ثلث ماله ، والأفضل لمن ليس له مال كثير أن لا يوصي منه بشئ وأن يبقيه لورثته " .
والنهي منصرف أيضا إلى من يأمره من الحاضرين بأن يوصي بأكثر من الثلث ، على ما
روي عن الحسن ، لأن ذلك لا يجوز أن يفعله لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الثلث كثير " ولنهيه سعدا
عن الوصية بأكثر من الثلث . وجائز أن يكون ما قاله مقسم مرادا بأن يقول الحاضر : لا
توص بشئ ! ولو كان من ذوي قرابته لأحب أن يوصي له ، فيشير عليه بما لا يرضاه
لنفسه . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك ، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا
إبراهيم بن هاشم قال : حدثنا هدبة قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة عن أنس أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير " . وحدثنا
عبد الباقي قال : حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال : حدثنا سهل بن عثمان قال : حدثنا
زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدا رسول الله ويحب أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه " . قال أبو بكر : فهذا
معنى قوله تعالى : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا
الله وليقولوا قولا سديدا ) ، فنهاه عز وجل أن يشير على غيره ويأمره بما لا يرضاه لنفسه
ولأهله ولورثته ، وأمر الله تعالى بأن يقول الحاضرون قولا سديدا وهو العدل والحق الذي
لا خلل فيه ولا فساد في إجحاف بوارث أو حرمان لذي قرابة .
وقوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) الآية . روي عن ابن عباس
أحكام القرآن — صفحة 93
مساهمون: الجصاص
ص٩٣