وفيما وصفنا دليل على اقتضاء الآية التخيير بين تزوج الأمة والحرة لمن يستطيع أن
يتزوج حرة ، لأن التخيير لا يصح إلا فيما يمكنه فعل كل واحد منهما على حاله ، فقد
حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ،
أحدهما : عموم قوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) ، وذلك شامل للحرائر
والإماء لوقوع اسم النساء عليهن ، والثاني : قوله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانكم ) وذلك
يقتضي التخيير بينهن وبين الحرائر في التزويج ، وقد قدمنا دلالة قوله تعالى : ( ولأمة
مؤمنة خير من مشركة ) [ البقرة : 221 ] على ذلك في سورة البقرة . ويدل عليه أيضا قوله
تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) [ النساء : 24 ] ، وذلك عموم
شامل للحرائر والإماء ، وغير جائز تخصيصه إلا بدلالة .
وأما قوله تعالى : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) فإن ابن عباس والحسن ومجاهد وأبا
رزين والشعبي وأبا مالك وإسماعيل وعكرمة وقتادة قالوا : " يعني لا تميلوا عن الحق " .
وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك الغفاري : " ذلك أدنى ألا تعولوا : أن لا
تميلوا " . وأنشد عكرمة شعرا لأبي طالب :
بميزان صدق لا يخس شعيرة * ووزان قسط وزنه غير عائل
قال : غير مائل . قال أهل اللغة : أصل العول المجاوزة للحد ، فالعول في الفريضة
مجاوزة حد السهام المسماة ، والعول الميل الذي هو خلاف العدل لخروجه عن حد
العدل ، وعال يعول إذا جار ، وعال يعيل إذا تبختر ، وعال يعيل إذا افتقر ، حكى لنا ذلك
أبو عمر غلام ثعلب . وقال الشافعي في قوله تعالى : ( ذلك أدنى ألا تعولوا ) معناه : أن
لا يكثر من تعولون ، قال : وهذا يدل على أن على الرجل نفقة امرأته . وقد خطأه الناس في
ذلك من ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روي عنه تفسير هذه
الآية أن معناه : أن لا تميلوا وأن لا تجوروا ، وأن هذا الميل هو خلاف العدل الذي أمر
الله به من القسم بين النساء . والثاني : خطأوه في اللغة لأن أهل اللغة لا يختلفون في أنه
لا يقال في كثرة العيال " عال يعول " ذكره المبرد وغيره من أئمة اللغة ، وقال أبو عبيدة
معمر بن المثنى : أن لا تعولوا ، قال : إن لا تجوروا ، يقال علت على أي جرت .
والثالث : أن في الآية ذكر الواحدة أو ملك اليمين ، والإماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا
خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين ، فعلمنا أنه لم يرد كثرة العيال وأن
المراد نفي الجور والميل بتزوج امرأة واحدة إذ ليس معها من يلزمه القسم بينه وبينها إذ لا
قسم للإماء بملك اليمين ، والله أعلم .
أحكام القرآن — صفحة 72
مساهمون: الجصاص
ص٧٢