فإن قيل قوله تعالى : ( فكلوه هنيئا مريئا ) يدل على أن المراد فيما تعين من
المهر ، إما أن يكون عرضا بعينه فقبضته أو لم تقبضه أو دراهم قد قبضتها ، فأما دين في
الذمة فلا دلالة في الآية على جواز هبتها له ، إذ لا يقال لما في الذمة كله هنيئا مريئا . قيل
له : ليس المراد في ذلك مقصورا على ما يتأتى فيه الأكل دون مالا يتأتى ، لأنه لو كان
كذلك لوجب أن يكون خاصا في المهر إذا كان شيئا مأكولا ، وقد عقل من مفهوم
الخطاب أنه غير مقصور على المأكول منه دون غيره ، لأن قوله تعالى : ( وآتوا النساء
صدقاتهن نحلة ) عام في المهور كلها سواء كانت من جنس المأكول أو من غيره ، وقوله
تعالى : ( فكلوه هنيئا مريئا ) شامل لجميع الصدقات المأمور بإيتائها ، فدل أنه لا اعتبار
بلفظ الأكل في ذلك وأن المقصد فيه جواز استباحته بطيبة من نفسها ، وقال الله تعالى :
( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) [ النساء : 10 ] وقال تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم
بينكم بالباطل ) [ البقرة : 188 ] ، وهو عموم في النهي عن سائر وجوه التصرف في مال
اليتيم من الديون والأعيان المأكول وغير المأكول ، وشامل للنهي في أخذ أموال الناس إلا
على وجه التجارة عن تراض ، وليس المأكول بأولى بمعنى الآية من غيره . وإنما خص
الأكل بالذكر لأنه معظم ما يبتغى له الأموال ، إذ به قوام بدن الانسان ، وفي ذكره للأكل
دلالة على ما دونه ، وهذا كقوله تعالى : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى
ذكر الله وذروا البيع ) [ الجمعة : 9 ] فخص البيع بالذكر وإن كان ما عداه من سائر ما
يشغله عن الصلاة بمثابته في النهي ، لأن الاشتغال بالبيع من أعظم أمورهم في السعي في
طلب معايشهم ، فعقل من ذلك إرادة ما هو دونه وأنه أولى بالنهي إذ قد نهاهم عما هم
إليه أحوج والحاجة إليه أشد ، وكما قال تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم
الخنزير ) [ المائدة : 3 ] فخص اللحم بذكر التحريم وسائر أجزائه مثله لأنه معظم ما يراد
منه وينتفع به ، فكان في تحريمه أعظم منافعه دلالة على ما دونه ، فكذلك قوله تعالى :
( فكلوه هنيئا مريئا ) قد اقتضى جواز هبتها للمهر من أي جنس كان عينا أو دينا قبضته أو
لم تقبضه . ومن جهة أخرى أنه إذا جازت هبتها للمهر إذا كان مقبوضا معينا فكذلك
حكمه إذا كان دينا ، لأنه قد ثبت جواز تصرفها في مالها ، فلا يختلف حكم العين والدين
فيه ، ولأن أحدا لم يفرق بينهما . وقد دلت هذه الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه
كما جازت هبة المرأة للمهر وهو دين ، ويدل أيضا على أن من وهب لإنسان دينا له عليه
أن البراءة قد وقعت بنفس الهبة ، لأن الله تعالى قد حكم بصحته وأسقطه عن ذمته . ويدل
على أن من وهب لإنسان مالا فقبضه وتصرف فيه أنه جائز له ذلك وإن لم يقل بلسانه قد
قبلت ، لأن الله تعالى قد أباح له أكل ما وهبته من غير شرط القبول ، بل يكون التصرف فيه
أحكام القرآن — صفحة 74
مساهمون: الجصاص
ص٧٤