بغير إذن المولى لم يجز نكاحه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو
عاهر " ، وقال الله تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ) [ النحل :
75 ] ، فلما كان العبد لا يملك عقد النكاح لم يكن من أهل الخطاب بالآية ، فوجب أن
تكون الآية في الأحرار ، وأيضا لا يختلفون أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح
المقدرة كالطلاق والعدة ، فلما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يكون للعبد النصف
مما للحر . وقد روي عن ستة من الصحابة أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ، ولا يروى عن
أحد من نظرائهم خلافه فيما نعلمه . وقد روى سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة قال :
قال عمر بن الخطاب : " ينكح العبد اثنتين ويطلق اثنتين وتعتد الأمة حيضتين ، فإن لم
تحض فشهر ونصف " . وروى الحسن وابن سيرين عن عمر وعبد الرحمن بن عوف : " أن
العبد لا يحل له أكثر من امرأتين " . وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال : " لا
يجوز للعبد أن ينكح فوق اثنتين " . وروى حماد عن إبراهيم أن عمر وعبد الله قالا : " لا
ينكح العبد أكثر من اثنتين " ، وشعبة عن الحكم عن الفضل بن عباس قال : " يتزوج العبد
اثنتين " ، وابن سيرين قال : قال عمر : أيكم يعلم ما يحل للعبد من النساء ؟ فقال رجل من
الأنصار : أنا ، فقال عمر : كم ؟ قال : اثنتين ، فسكت ، ومن يشاوره عمر ويرضى بقوله
فالظاهر أنه صحابي . وروى ليث عن الحكم قال : " اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على
أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين " . فقد ثبت بإجماع أئمة الصحابة ما ذكرناه ، ولا
نعلم أحدا من نظرائهم قال إنه يتزوج أربعا ، فمن خالف ذلك كان محجوجا بإجماع
الصحابة . وقد روي نحو قولنا عن الحسن وإبراهيم وابن سيرين وعطاء والشعبي .
فإن قيل : روى يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن أبي الدرداء قال : " يتزوج العبد
أربعا " وهو قول مجاهد والقاسم وسالم وربيعة الرأي . قيل له : إسناد حديث أبي الدرداء
فيه رجل مجهول وهو أبو وهب ، ولو ثبت لم يجز الاعتراض به على قول الأئمة الذين
ذكرنا أقاويلهم واستفاض ذلك عنهم ، وقد ذكر الحكم وهو من جلة فقهاء التابعين إجماع
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين .
وأما قوله تعالى : ( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) فإن معناه والله أعلم : العدل في
القسم بينهن ، لما قال تعالى في آية أخرى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) [ النساء : 129 ] والمراد ميل القلب ، والعدل الذي يمكنه
فعله ويخاف أن لا يفعل إظهار الميل بالفعل ، فأمره الله تعالى بالاقتصار على الواحدة إذا
خاف إظهار الميل والجور ومجانبة العدل .
وقوله عطفا على ما تقدم من إباحة العدد المذكور بعقد النكاح : ( أو ما ملكت
أحكام القرآن — صفحة 70
مساهمون: الجصاص
ص٧٠