وقتادة قالوا : " ما قذفه ميتا " . وروي عن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير وسعيد بن
المسيب وقتادة ومجاهد قالوا : " المملوح منه " . والقول الأول أظهر ، لأنه ينتظم إباحة
الصنفين مما صيد منه وما لم يصد ، وأما المملوح فقد تناوله قوله : ( صيد البحر ) ،
ويكون قوله : ( وطعامه ) على هذا التأويل تكرارا لما انتظمه اللفظ الأول .
فإن قال قائل : هذا يدل على إباحة الطافي ، لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم يصد
والطافي لم يصد . قيل له : إنما تأول السلف قوله : ( وطعامه ) على ما قذفه البحر ،
وعندنا أن ما قذفه البحر ميتا فليس بطاف وإنما الطافي ما يموت في البحر حتف أنفه .
فإن قيل : قالوا ما قذفه البحر ميتا ، وهذا يوجب أن يكون قد مات فيه ثم قذفه ، وهذا يدل
على أنهم قد أرادوا به الطافي . قيل له : وليس كل ما قذفه البحر ميتا يكون طافيا ، إذ
جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد أو حر أو غيره فلا يكون طافيا ،
وقد بينا الكلام في الطافي فيما تقدم من هذا الكتاب . وقد روي عن الحسن في قوله :
( وطعامه ) قال : ما وراء بحركم هذا كله البحر وطعامه البر والشعير والحبوب " . رواه
أشعث بن عبد الملك عن الحسن ، فلم يجعل البحر في هذا الموضع بحور المياه وجعله
على ما اتسع من الأرض ، لأن العرب تسمي ما اتسع بحرا ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للفرس
الذي ركبه لأبي طلحة : " وجدناه بحرا " أي واسع الخطو . وقد روى حبيب بن الزبير عن
عكرمة في قوله تعالى : ( ظهر الفساد في البر والبحر ) [ الروم : 41 ] أنه أرد بالبحر
الأمصار ، لأن العرب تسمى الأمصار البحر . وروى سفيان عن بعضهم عن عكرمة :
( ظهر الفساد في البر والبحر ) [ الروم : 41 ] قال : " البر الفيافي التي ليس فيها شئ ،
والبحر القرى " . والتأويل الذي روي عن الحسن غير صحيح ، لأنه قد علم بقوله تعالى :
( أحل لكم صيد البحر ) أن المراد به بحر الماء وأنه لم يرد به البر ولا الأمصار ، لأنه
عطف عليه قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) .
وقوله تعالى : ( متاعا لكم وللسيارة ) روي عن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا :
" منفعة للمقيم والمسافر " . فإن قال قائل : هل اقتضى قوله : ( أحل لكم صيد البحر )
إباحة صيد الأنهار ؟ قيل له : نعم ، لأن العرب تسمي النهر بحرا ، ومنه قوله تعالى : ( ظهر
الفساد في البر والبحر ) [ الروم : 41 ] ، وقد قيل إن الأغلب على البحر هو الذي يكون
ماؤه ملحا ، إلا أنه إذا جرى ذكره على طريق الجملة انتظم الأنهار أيضا . وأيضا فالمقصد
فيه صيد الماء ، فسائر حيوان الماء يجوز للمحرم اصطياده ، ولا نعلم خلافا في ذلك بين
الفقهاء . وقوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر ) يحتج به من يبيح أكل جميع حيوان
البحر ، وقد اختلف أهل العلم فيه ، والله أعلم .
أحكام القرآن — صفحة 599
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٩