التكرار ؟ قيل له : قد يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه ، ولو عقد عليها في
أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا ، إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل
والتضعيف وتارة بعظم المنزلة ، وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره ،
وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة ، وكذلك قال
أصحابنا فيمن حلف على شئ ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره وأراد به التكرار :
لا يلزمه إلا كفارة واحدة . فإن قيل : قوله : " بما عقدتم " بالتخفيف يفيد إيجاب
الكفارة باليمين الواحدة . قيل له : القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على ما وصفنا ،
ولكل واحدة منهما فائدة مجددة .
فصل
ومن يجيز الكفارة قبل الحنث يحتج بهذه الآية من وجهين : أحدهما قوله : ( ولكن
يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) فجعل ذلك كفارة عقيب عقد اليمين من غير ذكر
الحنث ، لأن الفاء للتعقيب . والثاني : قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) .
فأما قوله : ( بما عقدتم الأيمان فكفارته ) فإنه لا خلاف أن فيه ضميرا متى أراد إيجابها ،
وقد علمنا لا محالة أن الآية قد تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وأنها غير واجبة قبل
الحنث ، فثبت أن المراد : بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها فكفارته ، وهو كقوله تعالى :
( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) [ البقرة : 185 ] والمعنى : فأفطر فعدة
من أيام أخر ، وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو
صدقة ) [ البقرة : 196 ] فمعناه : فحلق ففدية من صيام ، كذلك قوله : ( بما عقدتم
الأيمان فكفارته ) معناه : فحنثتم فكفارته ، لاتفاق الجميع أنها غير واجبة قبل الحنث ،
وقد اقتضت الآية لا محالة إيجاب الكفارة وذلك لا يكون إلا بعد الحنث ، فثبت أن المراد
ضمير الحنث فيه . وأيضا لما سماه كفارة علمنا أنه أراد التكفير بها في حال وجوبها ، لأن
ما ليس بواجب فليس بكفارة على الحقيقة ولا يسمى بهذا الاسم ، فعلمنا أن المراد : إذا
حنثتم فكفارته إطعام عشرة مساكين ، وكذلك قوله في نسق التلاوة : ( ذلك كفارة أيمانكم
إذا حلفتم ) معناه : إذا حلفتم وحنثتم ، لما بيناه آنفا .
فإن قيل : يجوز أن تسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل
الحول زكاة لوجوب السبب الذي هو النصاب ، وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة كفارة
قبل وجود القتل وإن لم تكن واجبة في هذه الحال ، فكذلك يجوز أن يكون ما يعجله
الحالف كفارة قبل الحنث ولا يحتاج إلى إثبات إضمار الحنث في جوازها . قيل له : قد
أحكام القرآن — صفحة 570
مساهمون: الجصاص
ص٥٧٠