بينا أن الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية ، وإذا أريد بها الكفارة الواجبة امتنع أن
ينتظم ما ليس منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ولما ليس بواجب ، فمن
حيث أريد بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب . وأيضا فقد ثبت أن المتبرع بالطعام
ونحوه لا يكون مكفرا بما يتبرع به إذا لم يحلف ، فلما كان المكفر قبل الحنث متبرعا بما
أعطى ، ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة ومتى فعله لم يكن فاعلا للمأمور به ، وأما إعطاء
كفارة القتل قبل الموت بعد الجراحة وتعجيل الزكاة قبل الحول ، فإن جميع ما أخرج
هؤلاء تطوع وليس بكفارة ولا زكاة ، وإنما أجزناه لما قامت الدلالة أن اخراج هذا التطوع
يمنع لزوم الفرض بوجود الموت وحؤول الحول .
فصل
ويحتج من يوجب على من عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور ، مثل قوله :
" إن دخلت الدار فلله علي حجة أو عتق رقبة " أو نحو ذلك ، فحنث بظاهر قوله تعالى :
( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ) وبقوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا
حلفتم ) ، قال : فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب عليه بالحنث كفارة اليمين
دون المنذور بعينه . وليس هذا كما ظن هذا القائل ، وذلك لأن النذر يوجب الوفاء
بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين ، لقوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم )
[ النحل : 91 ] ، وقال تعالى : ( يوفون بالنذر ) [ الانسان : 7 ] ، وقال تعالى : ( أوفوا
بالعقود ) [ المائدة : 1 ] ، وقال تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن
ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون [ التوبة :
76 ] ، فذمهم تعالى على ترك الوفاء بنفس المنذور ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من نذر نذرا لم
يسمه فعليه كفارة يمين ، ومن نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به " ، وكان قوله تعالى : ( ذلك
كفارة أيمانكم ) في اليمين المعقودة بالله عز وجل ، وكانت النذور محمولة على الأصول
الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها .
قوله تعالى : ( واحفظوا أيمانكم ) فقال قائلون : معناه احفظوا أنفسكم من الحنث
فيها واحذروا الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية . وقال آخرون : أقلوا من الأيمان ،
على نحو قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) [ البقرة : 224 ] ، واستشهد من
قال ذلك بقول الشاعر :
قليل الألايا حافظ ليمينه * إذا بدرت منه الألية برت
وقال آخرون : معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها ، لأن حفظ الشئ
أحكام القرآن — صفحة 571
مساهمون: الجصاص
ص٥٧١