وسعى في الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه ، فكتب علي رضي الله عنه إلى عامله
بالبصرة : " إن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه ، فلا تعرضن
له إلا بخير " ، فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد وإنما قطع الطريق .
فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق قطاع الطريق
وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين ، مع أنه لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء
الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قطع الطريق وإن كان من
أهل الملة . وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين ،
وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف . ويدل على أن المراد به
قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا
أن الله غفور رحيم ) . ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم
بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة ، وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو
بعدها . وأيضا فإن الاسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه ، فعلمنا أن المراد قطاع
الطريق من أهل الملة وأن توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم .
وأيضا فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة ، والمذكور في الآية من استحق
القتل بالمحاربة ، فعلمنا أنه لم يرد المرتد . وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل القدرة
عليه ، والمرتد لا ينفى ، فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل الملة . وأيضا فإنه لا خلاف أن
أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر ، وإن الأسير من أهل الردة متى حصل في أيدينا
عرض عليه الاسلام فإن أسلم وإلا قتل ولا تقطع يده ولا رجله . وأيضا فإن الآية أوجبت
قطع يد المحارب ورجله ولم توجب منه شيئا آخر ، ومعلوم أن المرتد لا يجوز أن تقطع
يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم ، والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في
حال على قطع اليد والرجل دون غيره . وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب ، فعلمنا
أن الآية في غير أهل الردة . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا
يغفر لهم ما قد سلف ) [ الأنفال : 38 ] وقال في المحاربين : ( إلا الذين تابوا من قبل أن
تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود
التوبة منهم قبل القدرة عليهم ، وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة وبعدها . فلما علم
أنه لم يرد بالمحاربين أهل الردة ، فهذه الوجوه التي ذكرناها كلها دالة على بطلان قول من
ادعى خصوص الآية في المرتدين .
فإن قال قائل : قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال : قدم
على النبي صلى الله عليه وسلم أناس من عرينة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم
أحكام القرآن — صفحة 509
مساهمون: الجصاص
ص٥٠٩