دلالة في قوله : ( فأصبح من الخاسرين ) على أن القتل كان ليلا ، وإنما المراد به وقت
مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا ، وهو كقول الشاعر :
أصبحت عاذلتي معتلة
وليس المراد النهار دون الليل ، وكقول الآخر :
بكرت علي عواذلي * يلحينني وألومهنه
ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره . وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد به
الوقت المبهم .
باب دفن الموتى
قال الله تعالى : ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ) .
قال ابن عباس وابن ومسعود ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك : " لم يدر كيف يصنع به
حتى رأى غرابا جاء يدفن غرابا ميتا " ، وفي هذا دليل على فساد ما روي عن الحسن أنهما
رجلان من بني إسرائيل ، لأنه لو كان كذلك لكان قد عرف الدفن بجريان العادة فيه قبل
ذلك ، وهو الأصل في سنة دفن الموتى ، وقال تعالى : ( ثم أماته فأقبره ) [ عبس : 21 ]
وقال تعالى : ( ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) [ المرسلات : 26 ] . وقيل في
معنى : ( سوأة أخيه ) وجهان ، أحدهما : جيفة أخيه ، لأنه لو تركه حتى ينتن لقيل لجيفته
سوأة . والثاني : عورة أخيه ، وجائز أن يريد الأمرين جميعا لاحتمالهما . وأصل السوأة
التكره ، ومنه : ساءه يسوءه سوءا ، إذا أتاه بما يتكرهه . وقص الله علينا قصته لنعتبر بها
ونتجنب قبح ما فعله القاتل منهما . وروي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله ضرب لكم
ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما " .
وقال الله تعالى : ( فأصبح من النادمين ) قيل إنه ندم على القتل على غير جهة
القربة إلى الله تعالى منه وخوف عقابه ، وإنما كان ندمه من حيث لم ينتفع بما فعل وناله
ضرر بسببه من قبل أبيه وأمه ، ولو ندم على الوجه المأمور به لقبل الله توبته وغفر ذنبه .
قوله تعالى : ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ) الآية . فيه إبانة عن المعنى
الذي من أجله كتب على بني إسرائيل ما ذكر في الآية ، وهو لئلا يقتل بعضهم بعضا ، فدل
ذلك على أن النصوص قد ترد مضمنة بمعان يجب اعتبارها في أغيارها في إثبات
الأحكام . وفيه دليل على إثبات القياس ووجوب اعتبار المعاني التي علق بها الأحكام
وجعلت عللا وأعلاما لها .
وقوله تعالى : ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ) يدل على أن من قتل
أحكام القرآن — صفحة 506
مساهمون: الجصاص
ص٥٠٦