نفاه - ونفيه حبسه - حتى يظهر توبة ، فإن لم يقدر على المحارب حتى يأتيه تائبا وضع عنه
حد المحاربة القتل والقطع والنفي وأخذ بحقوق الناس " . وقال الليث بن سعد : " الذي
يقتل ويأخذ المال يصلب فيطعن بالحربة حتى يموت ، والذي يقتل فإنه يقتل بالسيف " .
وقال أبو الزناد في المحاربين : " ما يصنع الوالي فيهم فهو صواب ، من قتل أو صلب أو
قطع أو نفي " .
قال أبو بكر : الدليل على أن حكم الآية على الترتيب الذي ذكرنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم :
" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس
بغير نفس " فنفى صلى الله عليه وسلم قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة ولم يخصص فيه قاطع الطريق ،
فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق ، وإذا انتفى قتل من لم يقطع وجب قطع
يده ورجله إذا أخذ المال ، وهذا لا خلاف فيه .
فإن قيل : روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن
عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ،
ورجل قتل رجلا فقتل به ، ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من
الأرض " . قيل له : قد روي هذا الحديث من وجوه صحاح ولم يذكر فيه قتل المحارب ،
ورواه عثمان وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه قتل المحارب . والصحيح
منها ما لم يذكر ذلك فيه ، لأن المرتد لا محالة مستحق للقتل بالاتفاق ، وهو أحد الثلاثة
المذكورين في خبر هؤلاء ، فلم يبق من الثلاثة غيرهم ، ويكون المحارب إذا لم يقتل
خارجا منهم . وإن صح ذكر المحارب فيه ، فالمعنى فيه : إذا قتل ، حتى يكون موافقا
للأخبار الآخر وتكون فائدته جواز قتله على وجه الصلب .
فإن قيل : فقد ذكر فيه : أو ينفى من الأرض . قيل له : لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد
أضمر فيه : إن لم يقتل .
فإن قيل : فقد يقتل الباغي وإن لم يقتل ، وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في
الخبر . قيل له : ظاهر الخبر ينفي قتله ، وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم الخبر في
نفي قتل المحارب إلا أن يقتل على العموم . وأيضا فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق
القتل بفعل سبق منه واستقر حكمه عليه ، كالزاني المحصن والمرتد والقاتل والباغي لا
يستحق القتل على هذا الوجه ، وإنما يقتل على وجه الدفع ، ألا ترى أنه لو قعد في بيته
ولم يقاتل لم يقتل وإن كان معتقدا لمقالة أهل البغي ؟ فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على
الترتيب على الوجه الذي بينا لا على التخيير . ويدل على أن في الآية ضميرا ولا تخيير
فيها اتفاق الجميع على أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا لم يجز للإمام أن ينفيه ويترك قطع
أحكام القرآن — صفحة 512
مساهمون: الجصاص
ص٥١٢