من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) فكان في مضمون
الآية إباحة قتل المفسد في الأرض ، ومن أعظم الفساد قصد قتل النفس المحرمة ، فثبت
بذلك أن القاصد لقتل غيره ظلما مستحق للقتل مبيح لدمه .
مطلب : من أراد قلع سنك فلك قتله إلى آخره
قال أبو بكر : ذكر ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة أنه قال في اللص ينقب
البيوت : يسعك قتله ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل دون ماله فهو شهيد " ولا يكون شهيدا إلا وهو
مأمور بالقتال إن أمكنه ، فقد تضمن ذلك إيجاب قتله إذا قدر عليه . وقال أيضا في رجل
يريد قلع سنك ، قال : " فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه " . قال أبو
بكر : وذلك لأن قلع السن أعظم من أخذ المال ، فإذا جاز قتله لحفظ ماله فهو أولى
بجواز القتل من أجلها .
قوله تعالى : ( إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) فإنه روي عن ابن عباس وابن
مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك : " إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي " .
وقال غيرهم : " إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك " . والمراد : إني أريد أن تبوء بعقاب
إثمي وإثمك ، لأنه لا يجوز أن يكون مراده حقيقة الإثم ، إذ غير جائز لأحد إرادة معصية
الله من نفسه ولا من غيره كما لا يجوز أن يأمره بها . ومعنى تبوء ترجع ، يقال : باء ، إذا
رجع إلى المباءة وهي المنزل ، وباؤوا بغضب الله : رجعوا ، والبواء : الرجوع بالقود ، وهم
في هذه الأمر بواء أي سواء ، لأنهم يرجعون فيه إلى معنى واحد .
قوله تعالى : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) . قال مجاهد : " شجعته نفسه على قتل
أخيه " . وقال قتادة : " زينت له نفسه قتل أخيه " . وقيل : " ساعدته نفسه على قتل أخيه " .
والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له ، ويقال إن العرب تقول :
طاع لهذه الظبية أصول الشجر ، وطاع لفلان كذا ، أي أتاه طوعا . ويقال : انطاع بمعنى
انقاد ، ويقال : طوعت له نفسه ، ولا يقال أطاعته نفسه ، على هذا المعنى ، لأن قولهم :
" أطاع " يقتضي قصدا منه لموافقة معنى الأمر ، وذلك غير موجود في نفسه ، وليس كذلك
الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون آمرا لنفسه ولا ناهيا لها ، إذ كان موضوع
الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن دونه ، وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى
غيره كقولك : " حرك نفسه " و " قتل نفسه " كما يقال : " حرك غيره " و " قتل غيره " .
قوله تعالى : ( فأصبح من الخاسرين ) يعني خسر نفسه بإهلاكه إياها ، لقوله
تعالى : ( إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) [ الزمر : 15 ] ولا
أحكام القرآن — صفحة 505
مساهمون: الجصاص
ص٥٠٥