آمنوا ، وقوله تعالى : ( ثم الله شهيد ) [ يونس : 46 ] ومعناه : والله شهيد ، وكما تجئ
" أو " بمعنى " الواو " كقوله تعالى : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) [ النساء : 135 ]
ومعناه : إن يكن غنيا وفقيرا ، فكذلك لا يمتنع أن يريد بالواو الترتيب فتكون مجازا ولا
يجوز حملها عليه إلا بدلالة .
مطلب : في جواب ابن عباس السائل عن تقديم العمرة على الحج
فإن قيل : سئل ابن عباس وقيل له : كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله سبحانه
يقول : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة : 196 ] ؟ فقال : كيف تقرؤون الدين قبل
الوصية أو الوصية قبل الدين ؟ قالوا : الوصية ، قال : فبأيهما تبدؤون ؟ قالوا : بالدين ،
قال : فهو ذاك . فلولا أن في لسانهم الترتيب في الفعل على حسب وجوده في اللفظ لما
سألوه عن ذلك . قيل له : كيف يحتج بقول هذا السائل وهو قد جهل ما فيه الترتيب بلا
خلاف بين أهل اللغة فيه ، وهو قوله : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) [ البقرة : 196 ] ؟
وهذا اللفظ لا محالة يوجب ترتيب فعل الحج على العمرة وتقديمها عليه ، فمن جهل هذا
لم ينكر منه الجهل بحكم اللفظ في قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة :
196 ] ، وما يدري هذا القائل أن هذا السائل كان من أهل اللغة ، وعسى أن يكون ممن
أسلم من العجم ولم يكن من أهل المعرفة باللسان ، وأيهما أولى قول ابن عباس في أن
ترتيب اللفظ لا يوجب ترتيب الفعل ، أو قول هذا السائل ؟ فلو لم يكن في اسقاط قول
القائلين بالترتيب إلا قول ابن عباس لكان كافيا مغنيا .
فإن قيل : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ابدؤوا بما بدأ الله به " ، وقال تعالى :
( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) [ القيامة : 17 و 18 ] فقوله : " ابدؤوا
بما بدأ الله به " أمر يقتضي التبدئة مما بدأ الله به في اللفظ والحكم ، وقوله عز وجل :
( فاتبع قرآنه ) [ القيامة : 18 ] لزوم في عموم اتباعه مرتبا إذا ورد اللفظ كذلك . قيل له :
أما قوله : " ابدؤوا بما بدأ الله به " فإنما ورد في شأن الصفا والمروة ، فذكر بعضهم القصة
على وجهها ، وحفظ بعضهم ذكر السبب واقتصر على قوله صلى الله عليه وسلم : " ابدؤوا بما بدأ الله
به " ، وغير جائز لنا أن نجعلهما حديثين ونثبت من النبي صلى الله عليه وسلم القول في حالين إلا بدلالة
توجب ذلك . وأيضا فنحن نبدأ بما بدأ الله به ، وإنما الكلام بيننا وبين مخالفينا في مراد
الله من التبدئة بالفعل إذا بدأ به في اللفظ ، فالواجب أن نثبت أن الله قد أراد ترتيب الحكم
حتى نبدأ به . وكذلك الجواب في قوله : ( فاتبع قرآنه ) [ القيامة : 18 ] لأن اتباع قرآنه أن
نبدأ به على ترتيبه ونظامه ، وواجب أن نبدأ بحكم القرآن على حسب مراده من ترتيب أو
أحكام القرآن — صفحة 455
مساهمون: الجصاص
ص٤٥٥