كان مجازا ، فإذا لا يصح إيجاب غسل الوجه مرتبا على المذكور في الآية لأجل إدخال
الفاء عليه ، إذ كان المعنى الذي ترتب عليه الغسل موقوفا على الدلالة ، فهذا وجه يسقط
به سؤال هذا السائل . والوجه الآخر : أن نسلم لهم جواز اعتبار هذا اللفظ فيما يقتضيه
من الترتيب ، فنقول لهم : إذا ثبت أن " الواو " لا توجب الترتيب صار تقدير الآية : إذا
قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء ، فيصير الجميع مرتبا على القيام وليس يختص به
الوجه دون سائرها ، إذ كانت " الواو " للجمع ، فيصير كأنه عطف الأعضاء كلها مجموعة
بالفاء على حال القيام ، فلا دلالة فيه على الترتيب ، بل تقتضي اسقاط الترتيب .
ويدل على سقوط الترتيب قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ الفرقان :
48 ] ومعناه : مطهرا ، فحيثما وجد ينبغي أن يكون مطهرا مستوفيا لهذه الصفة التي وصفه
الله بها ، وموجب الترتيب قد سلبه هذه الصفة إلا مع وجود معنى آخر غيره ، وهذا غير
جائز . ويدل عليه من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي
حين علمه الصلاة وقال له : " إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يضع الوضوء مواضعه
ثم يكبر ويحمد الله " وذكر الحديث ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وضع الوضوء مواضعه
أجزأه ، ومواضع الوضوء الأعضاء المذكورة في الآية ، فأجاز الصلاة بغسلها من غير ذكر
الترتيب ، فدل على أن غسل هذه الأعضاء يوجب كمال طهارته لوضعه الوضوء مواضعه .
فإن قيل : إذا لم يرتب فلم يضع الوضوء مواضعه . قيل له : هذا غلط ، لأن مواضع
الوضوء معلومة مذكورة في الكتاب ، فعلى أي وجه حصل الغسل فقد وضع الوضوء
مواضعه فيجزيه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإكمال طهارته إذا فعل ذلك . ويدل عليه من جهة النظر
اتفاق الجميع على جواز طهارته لو بدأ من المرفق إلى الزند ، وقال تعالى : ( وأيديكم إلى
المرافق ) فلما لم يجب الترتيب فيما هو مرتب في مقتضى حقيقة اللفظ فما لم يقتض
اللفظ ترتيبه أحرى أن يجوز ، وهذه دلالة ظاهرة لا يحتاج معها إلى ذكر علة يجمعها ،
لأنه قد ثبت بما وصفنا أن المقصد فيه ليس الترتيب ، إذ لو كان كذلك لكان ما اقتضى
اللفظ ترتيبه أولى أن يكون مرتبا . وأيضا يجوز أن يقاس عليها بأنهما جميعا من أعضاء
الطهارة ، فلما سقط الترتيب في أحدهما وجب سقوطه في الآخر . وأيضا لما لم يجب
الترتيب بين الصلاة والزكاة ، إذ كل واحدة منهما يجوز سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى ،
كان كذلك الترتيب في الوضوء لجواز سقوط فرض غسل الرجلين لعلة بهما مع لزوم
فرض غسل الوجه . وأيضا لما لم يستحل جمع هذه الأعضاء في الغسل وجب أن لا
يجب فيها الترتيب كالصلاة والزكاة ، وقد روي عن عثمان أنه توضأ فغسل وجهه ثم يديه
ثم غسل رجليه ثم مسح ثم قال : " هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ " .
أحكام القرآن — صفحة 453
مساهمون: الجصاص
ص٤٥٣