السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) [ الأنفال : 11 ] روي أنهم أصابتهم
جنابة ، فأنزل الله مطرا فأزالوا به أثر الاحتلام . والمفروض من غسل الجنابة إيصال الماء
بالغسل إلى كل موضع يلحقه حكم التطهير من بدنه ، لعموم قوله : ( فاطهروا ) .
وبين النبي صلى الله عليه وسلم مسنون الغسل ، فيما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا علي بن
محمد بن عبد الملك قال : حدثنا محمد بن مسدد قال : حدثنا عبد الله بن داود عن
الأعمش عن سالم عن كريب قال : حدثنا ابن عباس عن خالته ميمونة قالت : " وضعت
للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا يغتسل من الجنابة ، فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثا ،
ثم صب على فرجه بشماله ، ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ، ثم تمضمض واستنشق
وغسل وجهه ويديه ، ثم صب على رأسه وجسده ، ثم تنحى ناحية فغسل رجليه ، فناولته
المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده " . وكذلك الغسل من الجنابة عند
أصحابنا . والوضوء ليس بفرض في الجنابة لقوله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ،
وإذا اغتسل فقد تطهر وقضى عهدة الآية ، وقال تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى )
[ النساء : 43 ] إلى قوله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] ،
فأباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء ، فمن شرط في صحته مع وجود الغسل وضوءا
فقد زاد في الآية ما ليس فيها ، وذلك غير جائز لما بينا فيما سلف .
فإن قيل : قال الله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية ، وذلك
عموم في سائر من قام إليها . قيل له : فالجنب حين غسل سائر جسده فهو غاسل لهذه
الأعضاء فقد قضى عهدة الآية لأنه متوضئ مغتسل ، فهو إن لم يفرد الوضوء قبل
الاغتسال فقد أتى بالغسل على الوضوء لأنه أعم منه .
فإن قيل : توضأ النبي صلى الله عليه وسلم قبل الغسل . قيل له : هذا يدل على أنه مستحب مندوب
إليه ، لأن ظاهر فعله لا يقتضي الإيجاب .
واختلف الفقهاء في وجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ، فقال أبو
حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والثوري : " هما فرض فيه " . وقال مالك
والشافعي : " ليس بفرض فيه " . وقوله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) عموم في إيجاب
تطهير سائر ما يلحقه حكم التطهير من البدن ، فلا يجوز ترك شئ منه .
فإن قيل : من اغتسل ولم يتمضمض ولم يستنشق يسمى متطهرا ، فقد فعل ما
أوجبته الآية . قيل له : إنما يكون مطهرا لبعض جسده ، وعموم الآية يقتضي تطهير
أحكام القرآن — صفحة 458
مساهمون: الجصاص
ص٤٥٨