رواية الحسن بن زياد : الربع ، فإن وجه تقدير ثلاث أصابع أنه لما ثبت أن المفروض
البعض بما قدمنا وكان ذلك البعض غير مذكور المقدار في الآية احتجنا فيه إلى بيان
الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته كان فعله ذلك واردا مورد
البيان ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب كفعله لأعداد ركعات
الصلاة وأفعالها ، فقدروا الناصية بثلاث أصابع ، وقد روي عن ابن عباس أنه مسح بين
ناصيته وقرنه .
فإن قيل : فقد روي أنه مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر ، فينبغي أن يكون ذلك
واجبا . قيل له : معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك المفروض ، وجائز أن يفعل غير المفروض
على أنه مسنون ، فلما روي عنه الاقتصار على مقدار الناصية في حال وروي عنه استيعاب
الرأس في أخرى استعملنا الخبرين وجعلنا المفروض مقدار الناصية ، إذ لم يرو عنه أنه
مسح أقل منها وما زاد عليها فهو مسنون . وأيضا لو كان المفروض أقل من مقدار الناصية
لاقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في حال بيانا للمقدار المفروض كما اقتصر على مسح الناصية في بعض
الأحوال ، فلما لم يثبت عنه أقل من ذلك دل على أنه هو المفروض .
فإن قيل : لو كان فعله ذلك على وجه البيان لوجب أن يكون المفروض موضع
الناصية دون غيره من الرأس كما جعلتها بيانا للمقدار ولم تجز أقل منها ، فلما جاز عند
الجميع من القائلين بجواز مسح بعض الرأس ترك مسح الناصية إلى غيرها من الرأس دل
ذلك على أن فعله ذلك غير موجب للاقتصار على مقداره . قيل له : قد كان ظاهر فعله
يقتضي ذلك لولا قيام الدلالة على أن مسح غير الناصية من الرأس يقوم مقام الناصية ،
فلم يوجب تعيين الفرض فيها وبقي حكم فعله في المقدار على ما اقتضاه ظاهر بيانه
بفعله .
مطلب : في أن فعله عليه السلام يبين المجمل من أحكام القرآن
فإن قيل : لما كان قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) مقتضيا مسح بعضه ، فأي
بعض مسحه منه وجب أن يجزيه بحكم الظاهر . قيل له : إذا كان ذلك البعض مجهولا
صار مجملا ولم يخرجه ما ذكرت من حكم الاجمال ، ألا ترى أن قوله تعالى : ( خذ من
أموالهم صدقة ) [ التوبة : 103 ] وقوله : ( وآتوا الزكاة ) [ البقرة : 43 ] وقوله : ( يكنزون
الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) [ التوبة : 34 ] كلها مجملة لجهالة مقاديرها في
حال ورودها ، وأنه غير جائز لأحد اعتبار ما يقع عليه الاسم منها ؟ فكذلك قوله تعالى :
( برؤوسكم ) وإن اقتضى البعض فإن ذلك البعض لما كان مجهولا عندنا وجب أن يكون
مجملا موقوف الحكم على البيان ، فما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل فيه فهو بيان مراد الله
أحكام القرآن — صفحة 431
مساهمون: الجصاص
ص٤٣١