ممن قال الله تعالى : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) [ المائدة : 105 ] .
وحدثنا مكرم بن أحمد القاضي قال : حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال : حدثنا
الحماني قال : سمعت ابن المبارك يقول : لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى
ظننا أنه سيموت ، فخلوت به فقال : كان والله رجلا عاقلا ، ولقد كنت أخاف عليه هذا
الأمر ، قلت : وكيف كان سببه ؟ قال : كان يقدم ويسألني ، وكان شديد البذل لنفسه في
طاعة الله وكان شديد الورع ، وكنت ربما قدمت إليه الشئ فيسألني عنه ولا يرضاه ولا
يذوقه وربما رضيه فأكله ، فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلى أن اتفقنا
على أنه فريضة من الله تعالى ، فقال لي : مد يدك حتى أبايعك ! فأظلمت الدنيا بيني وبينه ،
فقلت : ولم ؟ قال : دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له إن قام به رجل
وحده قتل ولم ؟ يصلح للناس أمر ، ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس
عليهم مأمونا على دين الله لا يحول ، قال : وكان يقتضي ذلك كلما قدم على تقاضي
الغريم الملح كلما قدم علي تقاضاني ، فأقول له : هذا أمر لا يصلح بواحد ما أطاقته
الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء ، وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض ، لأن سائر
الفرائض يقوم بها الرجل وحده وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط بدمه وعرض نفسه
للقتل فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه ، وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض
نفسه ولكنه ينتظر ، فقد قالت الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن
نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) [ البقرة : 30 ] ، ثم خرج إلى مرو
حيث كان أبو مسلم ، فكلمه بكلام غليظ فأخذه ، فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان
وعبادهم حتى أطلقوه ، ثم عاوده فزجره ، ثم عاوده ثم قال : ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى
أفضل من جهادك ولأجاهدنك بلساني ليس لي قوة بيدي ، ولكن يراني الله وأنا أبغضك
فيه ، فقتله .
قال أبو بكر : لما ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم
وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبينا أنه فرض على الكفاية إذا قام به
البعض سقط عن الباقين ، وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر ، لأن ترك
الانسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيره ، ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه
فرض الصوم وسائر العبادات ؟ فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر
المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه . وقد روى
طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال : اجتمع نفر من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أرأيت إن عملنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شئ
أحكام القرآن — صفحة 42
مساهمون: الجصاص
ص٤٢